وأن الانشغال بالنوافل مع تضييع الفرائض عملٌ معكوس وجهد ضائع. ولا شك أن المراد من التقرب بالنوافل أن تقع ممن أدى الفرائض لا من أخل بها. كما قال بعض الأكابر: مَنْ شَغَلَهُ الْفَرْضُ عَنِ النَّفْلِ فَهُوَ مَعْذُورٌ وَمَنْ شَغَلَهُ النَّفْلُ عَنِ الْفَرْضِ فَهُوَ مَغْرُورٌ [1] ..
بل مجرد التسوية بين جنس الفرائض وجنس النوافل ممنوعة بيقين, فلا يجوز أن يسوى بين الواجب والمندوب لا في القول ولا في الفعل ولا في الاعتقاد, كما لا يُسَوَّى بين الحرام والمكروه , بل ولا بين المباح وبين المندوب والمكروه. قال الشاطبي رحمه الله:"المندوب من حقيقة استقراره مندوبًا أن لا يسوى بينه وبين الواجب، لا في القول ولا في الفعل، كما لا يسوى بينهما في الاعتقاد" [2] .
والخلاصة؛ أن أعلى رتب مصالح الندب دون أدنى رتب مصالح الواجب.
وقَالَ مُحَمَّدُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ بنِ أَبِي سُكَيْنَةَ:أَمْلَى عَلَيَّ ابْنُ المُبَارَكِ سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِيْنَ وَمائَةٍ، وَأَنفَذَهَا مَعِي إِلَى الفُضَيْلِ بنِ عِيَاضٍ مِنْ طَرَسُوْسَ:
يَا عَابِدَ الحَرَمِيْنِ لَوْ أَبْصَرْتَنَا * لَعَلِمْتَ أَنَّكَ فِي العِبَادَةِ تَلْعَبُ
مَنْ كَانَ يَخْضِبُ جِيْدَهُ بِدُمُوْعِهِ * فَنُحُوْرُنَا بِدِمَائِنَا تَتَخَضَّبُ
أَوْ كَانَ يُتْعِبُ خَيْلَهُ فِي بَاطِلٍ * فَخُيُوْلُنَا يَوْمَ الصَّبِيْحَةِ تَتْعَبُ
رِيْحُ العَبِيْرِ لَكُمْ وَنَحْنُ عَبِيْرُنَا * رَهَجُ السَّنَابِكِ وَالغُبَارُ الأَطْيَبُ
وَلَقَدْ أَتَانَا مِنْ مَقَالِ نَبِيِّنَا * قَوْلٌ صَحِيْحٌ صَادِقٌ لاَ يُكْذَبُ:
لاَ يَسْتَوِي وَغُبَارُ خَيْلِ اللهِ فِي * أَنْفِ امْرِئٍ وَدُخَانُ نَارٍ تَلهبُ
هَذَا كِتَابُ اللهِ يَنْطِقُ بَيْنَنَا * لَيْسَ الشَّهِيْدُ بِمَيِّتٍ لاَ يُكْذَبُ
فَلَقِيْتُ الفُضَيْلَ بِكِتَابِهِ فِي الحَرَمِ، فَقَرَأَهُ، وَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَنَصَحَ [3] .
(1) - شرح سنن أبي داود ـ عبد المحسن العباد - (1 / 9) وفتح الباري لابن حجر - (18 / 342)
(2) - الموافقات - (4 / 97)
(3) - تفسير ابن كثير - دار طيبة - (2 / 203) وسير أعلام النبلاء (8/413) وتاريخ الإسلام للإمام الذهبي - (12 / 240)