فهرس الكتاب

الصفحة 363 من 381

التَّرْجِيحَاتِ - وَضَابِطُ مَا قَدَّمَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمَطْلُوبَاتِ وَهِيَ أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَتْ الْحُقُوقُ قُدِّمَ مِنْهَا الْمُضَيَّقُ عَلَى الْمُوَسَّعِ ؛ لِأَنَّ التَّضْيِيقَ يُشْعِرُ بِكَثْرَةِ اهْتِمَامِ صَاحِبِ الشَّرْعِ بِمَا جَعَلَهُ مُضَيَّقًا ، وَأَنَّ مَا جَوَّزَ لَهُ تَأْخِيرَهُ وَجَعَلَهُ مُوَسَّعًا عَلَيْهِ دُونَ ذَلِكَ .

وَيُقَدَّمُ الْفَوْرِيُّ عَلَى الْمُتَرَاخِي ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالتَّعْجِيلِ يَقْتَضِي الْأَرْجَحِيَّةَ عَلَى مَا جُعِلَ لَهُ تَأْخِيرُهُ ، وَيُقَدَّمُ فَرْضُ الْأَعْيَانِ عَلَى الْكِفَايَةِ ؛ لِأَنَّ طَلَبَ الْفِعْلِ مِنْ جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ يَقْتَضِي أَرْجَحِيَّةَ مَا طُلِبَ مِنْ الْبَعْضِ فَقَطْ وَلِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ يَعْتَمِدُ عَدَمَ تَكَرُّرِ الْمَصْلَحَةِ بِتَكَرُّرِ الْفِعْلِ ، وَالْأَعْيَانِ يَعْتَمِدُ تَكَرُّرَ الْمَصْلَحَةِ بِتَكَرُّرِ الْفِعْلِ ، وَالْفِعْلُ الَّذِي تَتَكَرَّرُ مَصْلَحَتُهُ فِي جَمِيعِ صُوَرِهِ أَقْوَى فِي اسْتِلْزَامِ الْمَصْلَحَةِ مِنْ الَّذِي لَا تُوجَدُ الْمَصْلَحَةُ مَعَهُ إلَّا فِي بَعْضِ صُوَرِهِ وَلِذَلِكَ يُقَدَّمُ مَا يُخْشَى فَوَاتُهُ عَلَى مَا لَا يُخْشَى فَوَاتُهُ ، وَإِنْ كَانَ أَعْلَى رُتْبَةً مِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ حِكَايَةُ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ لَا تَفُوتُ ."ا.هـ. [1] "

وبهذه الوجوه الأربعة المتقدمة يتقرر أن الجهاد إذا تعين فهو مقدم عند أهل الطائفة المنصورة على غيره من النوافل, كما أنه مقدم على غيره من الواجبات الكفائية أيًّا كانت بلا أدنى نزاع. بل ومقدمٌ على غيره من الواجبات العينية عند عدم إمكان الجمع بينه وبينها؛ كالصلاة والصيام والحج وغيرِها.

وقد وصف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقهَ مراتب الأعمال بأنها حقيقة الدين, وحقيقة العمل بما جاءَت به الرسل, وبأنه خاصةُ العلماءِ بهذا الدين فقال رحمه الله:"فتفطن لحقيقة الدين ، وانظر ما اشتملت عليه الأفعال من المصالح الشرعية ، والمفاسد ، بحيث تعرف ما مراتب المعروف ، ومراتب المنكر ، حتى تقدم أهمها عند الازدحام ، فإن هذا حقيقة العلم بما جاءت به الرسل ، فإن التمييز بين جنس المعروف ، وجنس المنكر ، أو جنس الدليل ، وغير الدليل ، يتيسر كثيرًا . فأما مراتب المعروف والمنكر ، ومراتب"

(1) - أنوار البروق في أنواع الفروق - (4 / 213) والفروق مع هوامشه - (2 / 331)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت