فجادوا بنفوسهم يوم أن ضنَّ بها الكثيرون, وبذلوا دماءهم رخيصة يوم أن بخل بها المدعون.
وهذا والله إنما هو محض فضل من الله عليهم, {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} (4) سورة الجمعة, وفضل الله هذا لا يوفق له كلُّ أحد؛ فأهلُه هم المصطفون الأخيار, المفضلون على غيرهم من العالمين, والله أعلم حيث يضع فضله ومنته, فالمجاهدون هم خيرة الله من خلقه, لبّوا نداء خالقهم لإمضاء العقد وتسليم المبيع: {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (111) سورة التوبة
وهم المتأسون المقتدون بسيِّد الخلق - صلى الله عليه وسلم - القائل:"يَضْمَنُ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَإِيمَانًا بِي وَتَصْدِيقًا بِرَسُولِي، فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ أُرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ . وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا مِنْ كَلْمٍ يُكَلَمُ فِي سَبِيلِ اللهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتِهِ حِينَ كُلِمَ، لَوْنُهُ دَمٌ، وَرِيحُهُ مِسْكٌ . وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خِلَافَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ أَبَدًا، وَلَكِنِّي لَا أَجِدُ سَعَةً فَأَحْمِلُهُمْ، وَلَا يَجِدُونَ سَعَةً، وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي . وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوَدَدْتُ أَنِّي أَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ، فَأُقْتَلَ، ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلَ، ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلَ" [1]
ورحم الله القائل؛"إنما هو بذل الروح وإلا فلا تشتغل في الترهات" [2] .
إن أول قدم في الطريق بذلُ الروح... هذه الجادة فأين السالك..؟
ورحم الله الشيخَ أبا أنس الشامي يوم أن قال لي يومًا مثبتًا ومسليًّا:"يا فلان! سنبقى نحفرُ بالصخر حتى نصنع مجدًا لأمتنا"
قال لي صاحبي والبينُ قد حلا ودمعي مرافقٌ لشهيقي
(1) - شعب الإيمان - (6 / 100) (3931 ) وصحيح مسلم- المكنز - (4967)