{وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (100) سورة التوبة. فهم يخافون أشدَّ الخوف من أن يتخلّفوا عن هذا الموعد ويفوتَهم الوفاء ؛ فيُحرموا اللقاء, فهاجسهم أبدًا: غدًا ألقى الأحبة, محمّدًا وصحبه.
فأرواحهم تهيم هناك لا هنا.
جِسْمِي مَعِي غَيْرَ أَنَّ الرُّوحَ عِنْدَكُمُ فَالْجِسْمُ فِي غُرْبَةٍ وَالرُّوحُ فِي وَطَنِ
فَلْيَعْجَبِ النَّاسُ مِنِّي أَنَّ لِي بَدَنًا لَا رُوحَ فِيهِ وَلِي رُوحٌ بِلَا بَدَنِ [1]
وأنّى لمن هذا شأنهم أن يقعدهم ابتلاءٌ عن النفير, أو تثني عزائمهم محنةٌ عن الجهاد؛ بل يبادرون ويساقبون ويرددون وهم يُنحرون تقديمًا لبرهان المحبة الصادق:
فَلَيتَكَ تَحلو وَالحَياةُ مَريرَةٌ وَلَيتَكَ تَرضى وَالأَنامُ غِضابُ
وَلَيتَ الَّذي بَيني وَبَينَكَ عامِرٌ وَبَيني وَبَينَ العالَمينَ خَرابُ
إِذا صَحّ مِنكَ الوُدَّ فَالكُلُّ هَيِّنٌ وَكُلُّ الَّذي فَوقَ التُرابِ تُرابُِ
إنَّ المجاهدين, أهل الطائفة المنصورة, ليسوا بقومٍ ضاقت عليهم أنفسهم فتبرموا بها وأرادوا لها خلاصًا, أو قومٍ سُدَّت عليهم سبلُ العيش ومنافذُ الرزق, أو أسرى عاهاتٍ نفسية تعشقُ الموت لذاته, وتسعى له بكل سبيل, وقد رأت الدنيا سوداء مظلمة, كلا وربي!
وإنما هم قومٌ عرفوا واجبهم, وحقيقةَ المراد منهم؛ فشمروا عن ساق الاجتهاد, وسلكوا سبيلَ الجهاد, ولم يتعللوا بواهي العلل, وساقط الحجج, ليعذروا في ترك هذا الواجب, بل هانت عليهم أنفُسهم في ذاتِ الله, وعايَنُوا العاقبة وأيقنوا بها, فآثروا الباقية على الفانية, والآجلة على العاجلة, فكان منهم المسارعة لبذل الغالي والرخيص, والنفسِ والنفيس, محبة لمولاهم وتقرّبًا لخالقهم, وقد رأوا أن الدنيا بما فيها أحقرُ مِن أن تُقعِدَهم عن نيلِ محبة الله ورضاه. فمضوا وحاديهم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (54) سورة المائدة,
(1) - البداية والنهاية لابن كثير محقق - موافق للمطبوع - (13 / 147)