وكذلك قوله تعالى: { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } .
وأولى الناس بصفة"المؤمنين"الواردة في هذه الآية الكريمة هم الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ فهم الذين اصطفاهم الله تعالى لصحبة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، ونصرة دينه، والجهاد مع رسوله .. وعن طريقهم نقل الدين لمن بعدهم، فكانوا الأمناء الأوفياء لما استأمنهم الله ورسوله عليه؛ حيث أدوا الأمانة وبلغوا الرسالة، وجاهدوا في سبيل الله حق جهاده ..!
وهم كذلك أفقه الناس بمراد الشارع، لقربهم من النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولدرايتهم بأسباب نزول آيات الذكر الحكيم، لذا كان من يخالفهم ويتبع غير سبيلهم، يستحق من الله هذا الوعيد الشديد؛ وهو أن يصلى نار جهنم وساءت مصيرًا.قال ابن تيمية: فَإِنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ ؛ فَكُلُّ مَنْ شَاقَّ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى فَقَدْ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَكُلُّ مَنْ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَدْ شَاقَّ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى . فَإِنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ مُتَّبِعٌ سَبِيلَ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ مُخْطِئٌ ؛ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ مُتَّبِعٌ لِلرَّسُولِ وَهُوَ مُخْطِئٌ .
وَهَذِهِ"الْآيَةُ"تَدُلُّ عَلَى أَنَّ إجْمَاعَ الْمُؤْمِنِينَ حُجَّةٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ مُخَالَفَتَهُمْ مُسْتَلْزِمَةٌ لِمُخَالَفَةِ الرَّسُولِ وَأَنَّ كُلَّ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَصٌّ عَنْ الرَّسُولِ ؛ فَكُلُّ مَسْأَلَةٍ يُقْطَعُ فِيهَا بِالْإِجْمَاعِ وَبِانْتِفَاءِ الْمُنَازِعِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ؛ فَإِنَّهَا مِمَّا بَيَّنَ اللَّهُ فِيهِ الْهُدَى ، وَمُخَالِفُ مِثْلِ هَذَا الْإِجْمَاعِ يَكْفُرُ كَمَا يَكْفُرُ مُخَالِفُ النَّصِّ الْبَيِّنِ .وَأَمَّا إذَا كَانَ يُظَنُّ الْإِجْمَاعُ وَلَا يُقْطَعُ بِهِ فَهُنَا قَدْ لَا يُقْطَعُ أَيْضًا بِأَنَّهَا مِمَّا تَبَيَّنَ فِيهِ الْهُدَى مِنْ جِهَةِ الرَّسُولِ ، وَمُخَالِفُ مِثْلِ هَذَا الْإِجْمَاعِ قَدْ لَا يَكْفُرُ ؛بَلْ قَدْ يَكُونُ ظَنُّ الْإِجْمَاعِ خَطَأً .وَالصَّوَابُ فِي خِلَافِ هَذَا الْقَوْلِ وَهَذَا هُوَ فَصْلُ الْخِطَابِ فِيمَا يَكْفُرُ بِهِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ وَمَا لَا يَكْفُرُ . [1] .
ونحو ذلك قوله تعالى: { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } يوسف:108.
(1) - مجموع الفتاوى لابن تيمية - (7 / 38)