ورضى اللّه عنهم هو الرضى الذي تتبعه المثوبة ، وهو في ذاته أعلى وأكرم مثوبة ورضاهم عن اللّه هو الاطمئنان إليه سبحانه ، والثقة بقدره ، وحسن الظن بقضائه ، والشكر على نعمائه ، والصبر على ابتلائه ..
ولكن التعبير بالرضى هنا وهناك يشيع جو الرضى الشامل الغامر ، المتبادل الوافر ، الوارد الصادر ، بين اللّه سبحانه وهذه الصفوة المختارة من عباده ويرفع من شأن هذه الصفوة - من البشر - حتى ليبادلون ربهم الرضى وهو ربهم الأعلى ، وهم عبيده المخلوقون .. وهو حال وشأن وجو لا تملك الألفاظ البشرية أن تعبر عنه ولكن يتنسم ويستشرف ويستجلى من خلال النص القرآني بالروح المتطلع والقلب المتفتح والحس الموصول! ذلك حالهم الدائم مع ربهم: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ» . وهناك تنتظرهم علامة هذا الرضى:
«وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا» .. «ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» ..
وأي فوز بعد هذا وذلك عظيم؟؟؟ [1]
وقال تعالى: { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } الفتح:29.
والصفة التي تغلب على هذا المجتمع ، ويعرف بها في الناس ، أنه مجتمع شديد الغلظة على الكفار ، الذين يحادّون اللّه ورسوله ، فلا يكون بينه وبين الكافرين ولاء أو مودة يجار فيها على دين اللّه ، أو ينتقص بها حق من حقوق المسلمين.
هذا حالهم مع أعداء اللّه .. أما هم فيما بينهم فهم رحماء ، تفيض قلوبهم حفانا ورحمة ومودة ، تجمعهم أخوة بارّة في اللّه ، وفى دين اللّه ..
هذا ما تنطوى عليه صدورهم ، وتفيض به مشاعرهم ، نحو أعداء اللّه ، وأوليائه ..
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (3 / 1702)