وشيئا فشيئا تنمو هذه الشطآن ، وتعلو ، ويتخلّق لها ساق تقوم عليه ، وأوراق تكسو هذا الساق ، وفروع وأغصان ، وأزهار وثمار ، حتى يكون من ذلك نخلة باسقة ، أو دوحة عظيمة!.
وهكذا المسلمون ، بدءوا بذورا كهذه البذور التي طال حبسها عن الأرض ، حتى إذا امتدت إليها يد الزارع فغرسها في الأرض ، وساق إليها الماء ، وتعهدها بالرعاية والري ، طالت ، وانداحت ، وأزهرت ، وأثمرت ، وملأت وجه الأرض المغبرّة ، حسنا ، وجمالا ، وخيرا ..
وشبه المسلمون بالزرع لأنهم كثير ، ولأن كل واحد منهم له ذاتيته إلى جانب هذه الشجيرات الكبيرة التي يضمها الحقل ..
وقوله تعالى: « لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ » ـ هو إشارة إلى هذا الزرع الطيب ، الذي يملأ العين سرورا ورضا ، وهو في الوقت نفسه يملأ قلوب الكافرين حسرة وحسدا ..
وقوله تعالى: « وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا » إشارة إلى أن وصف المؤمنين لا يتم إلا بالعمل الصالح وأن الذين لهم المغفرة والأجر العظيم من اللّه ، هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، لا المؤمنون على إطلاقهم .. وهذا هو السرُّ في قوله تعالى: « مِنْهُمْ » الذي يعزل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، عن الذين آمنوا ولم يعملوا الصالحات .. فهؤلاء غير أولئك ..
« هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ » [1]
إنها صورة عجيبة يرسمها القرآن الكريم بأسلوبه البديع. صورة مؤلفة من عدة لقطات لأبرز حالات هذه الجماعة المختارة ، حالاتها الظاهرة والمضمرة. فلقطة تصور حالتهم مع الكفار ومع أنفسهم: «أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ» ولقطة تصور هيئتهم في عبادتهم: «تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا» .. ولقطة تصور قلوبهم وما يشغلها ويجيش بها: «يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا» .. ولقطة تصور أثر العبادة والتوجه إلى اللّه في سمتهم وسحنتهم وسماتهم: «سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ» .. «ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ» .. وهذه
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (13 / 429)