وما سبق إنما يدلُّ على اهتمام سلفنا الصالح باحترام معلميهم وتوقيرهم والتواضع لهم والاعتراف بفضلهم، وتعاملهم الصحيح معهم.
ومنه تعظيم المعلم، فعَنِ الزُهْرِيِّ، قَالَ: كُنْتُ آتِي عُرْوَةَ، فَأَجِلِسُ بِبَابِهِ مَلِيًّا، وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَدْخُلَ دَخَلْتُ، فَأَرْجِعُ وَمَا أَدْخُلُ إِعْظَامًا لَهُ" [1] "
ومنه أن يضع الطالب للمعلم في نفسه هيبة، وهذا مما يدلُّ على احترامه له ومحبته وتوقيره. فقد كان من تمام احترام السلف لعلمائهم أنهم كانوا يهابونهم، فعَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ،أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ،يَقُولُ:مَكَثْتُ سَنَةً وَأَنَا أَشُكُّ فِي سَنَتَيْنِ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنِ الْمُتَظَاهِرَتَيْنِ،وَمَا أَجِدُ لَهُ مَوْضِعًا أَسْأَلُهُ فِيهِ،حَتَّى خَرَجَ حَاجًّا وَصَحِبْتُهُ،حَتَّى إِذَا كَانَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ،وَذَهَبَ لِحَاجَتِهِ،قَالَ:أَدْرِكْنِي بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ،وَرَجَعَ أَتَيْتُهُ بِالْإِدَاوَةِ أَصُبُّهَا عَلَيْهِ،فَرَأَيْتُ مَوْضِعًا،فَقُلْتُ:يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ"مَنِ الْمَرْأَتَانِ الْمَتَظَاهِرَتَانِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ،فَمَا قَضَيْتُ كَلَامِي،حَتَّى قَالَ:عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ" [2] .
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ،قَالَ:"مَكَثْتُ سَنَتَيْنِ أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ حَدِيثٍ مَا مَنَعَنِي مِنْهُ إِلَّا هَيْبَتُهُ حَتَّى تَخَلَّفَ فِي حَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ فِي الْأَرَاكِ الَّذِي بِبَطْنِ مَرِّ الظَّهْرَانِ لِحَاجَتِهِ،فَلَمَّا جَاءَ وَخَلَوْتُ بِهِ قُلْتُ:يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ،أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ حَدِيثٍ مُنْذُ سَنَتَيْنِ مَا مَنَعَنِي إِلَّا هَيْبَةٌ لَكَ قَالَ:فَلَا تَفْعَلْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَسْأَلَ فَسَلْنِي فَإِنْ كَانَ عِنْدِي مِنْهُ أَخْبَرْتُكَ وَإِلَّا قُلْتُ:لَا أَعْلَمُ،فَسَأَلْتَ مَنْ يَعْلَمُ،قُلْتُ:مَنِ الْمَرْأَتَانِ اللَّتَانِ ذَكَرَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمَا تَظَاهَرَتَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ؟ قَالَ:عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ ثُمَّ قَالَ:كَانَ لِي أَخٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَكُنَّا نَتَعَاقَبُ النُّزُولَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْزِلُ يَوْمًا وَيَنْزِلُ يَوْمًا فَمَا أَتَى مِنْ حَدِيثٍ أَوْ خَبَرٍ أَتَانِي بِهِ وَأَنَا مِثْلُ ذَلِكَ وَنَزَلَ ذَاتَ يَوْمٍ وَتَخَلَّفْتُ فَجَاءَنِي" [3]
(1) - سير أعلام النبلاء - (4 / 432)
(2) - مُسْتَخْرَجُ أَبِي عَوَانَةَ (3712 ) صحيح
(3) - جَامِعُ بَيَانِ الْعِلْمِ >> بَابُ هَيْبَةِ الْمُتَعَلِّمِ لِلْعَالِمِ (518 ) صحيح