فلا عجب ولا غرابة أن يستفيد المعلِّم مِن طلابه في بعض مسائل العلم، بل أن يتراجع عن خطأ له وقع فيه، ويتحلَّى أمامهم بقوله: لا أدري، والله أعلم، فيما خفي عليه، وندَّ عنه، ولم يحط به علمًا، فهذا يجعله كبيرًا في نفوسهم، ويتعلمون منه التواضع، وترك التعالم، وعدم الجرأة على الفتيا، وتقحّم ما لا يحسن. يقول الإمام النووي رحمه الله في صفات العالم:"فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَزَالَ مُجْتَهِدًا فِي الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ قِرَاءَةً وَإِقْرَاءً , وَمُطَالَعَةً وَتَعْلِيقًا , وَمُبَاحَثَةً وَمُذَاكَرَةً وَتَصْنِيفًا , وَلَا يَسْتَنْكِفُ مِنَ التَّعَلُّمِ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ فِي سِنٍّ أَوْ نَسَبٍ أَوْ شُهْرَةٍ أَوْ دِينٍ , أَوْ فِي عِلْمٍ آخَرَ , بَلْ يَحْرِصُ عَلَى الْفَائِدَةِ مِمَّنْ كَانَتْ عِنْدَهُ , وَإِنْ كَانَ دُونَهُ فِي جَمِيعِ هَذَا , وَلَا يَسْتَحِي مِنْ السُّؤَالِ عَمَّا لَمْ يَعْلَمْ" [1]
ويقول ابن جماعة:"واعلم أن قول المسئول: (لا أدري) لا يضع من قدره كما يظنه بعض الجهلة، بل يرفعه لأنه دليل عظيم على عظم محله، وقوة دينه وتقوى ربه، وطهارة قلبه، وكمال معرفته وحسن تثبته، وقد روينا معنى ذلك عن جماعة من السلف، وإنما يأنف من قول لا أدري من ضعفت ديانته، وقلت معرفته؛ لأنه يخاف من سقوطه من أعين الحاضرين، وهذه جهالة ورقة دين، وربما يشهر خطؤه بين الناس فيقع فيما فرّ منه، ويتصف عندهم بما احترز عنه، وقد أدب الله تعالى العلماء بقصة موسى مع الخضر عليهما السلام حين لم يرد موسى عليه الصلاة والسلام العلم إلى الله تعالى لما سئل هل أحد في الأرض أعلم منك" [2]
وعَنْ قَتَادَةَ ، مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا أَيْ مِنْ عِنْدِنَا عِلْمًا ، وَكَانَ سَبَبُ سَفَرِ مُوسَى - صلى الله عليه وسلم - وَفَتَاهُ ، وَلِقَائِهِ هَذَا الْعَالِمَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فِيمَا ذَكَرَ: أَنَّ مُوسَى سُئِلَ: هَلْ فِي الْأَرْضِ أَحَدٌ أَعْلَمُ مِنْكَ ؟ فَقَالَ: لَا أَوْ حَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ بِذَلِكَ ، فَكَرِهَ ذَلِكَ لَهُ ، فَأَرَادَ اللَّهُ تَعْرِيفَهُ أَنَّ مِنْ عِبَادِهِ فِي الْأَرْضِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحْتِمَ عَلَى مَا لَا عِلْمَ
(1) - المجموع شرح المهذب 1/29 .
(2) - تذكرة السامع والمتكلم ـ ابن جماعة ص:42-43