فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 91

مراعاة الفروق الفردية أو الجماعية آكد، كما في دروس المساجد والمحاضرات العامة والخطب والمواعظ.

فينبغي على المعلم والداعية أن يعطي الناس ما يناسب مستواياتهم، وعقولهم وإدراكهم، ويمسُّ حاجاتهم وواقعهم، ويكون أنفع لهم في دينهم ودنياهم وآخرتهم، ولهذا كان المعلم الأول - صلى الله عليه وسلم - يراعي ذلك في دعوته وتعليمه، حيث كانت تختلف وصاياه وأجوبته باختلاف أحوال السائلين والطالبين، فيوصي بعضهم بالعبادة وترك الشرك، وآخرين بالصلاة والزكاة، وآخرين بحسن الخلق، وآخرين بمجانبة الغضب، كما أنهم يسألونه - صلى الله عليه وسلم - عن أي الأعمال أفضل؟ فيجيب بعضهم بأنه الإيمان بالله ثم صلة الرحم، ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويجيب آخرين بأنه الصلاة لوقتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله، وآخرين بأنه إطعام الطعام وإفشاء السلام، وهكذا،" [1] ولا تفسير لهذا الاختلاف في الجواب مع اتحاد السؤال، إلا مراعاة أحوال السائلين، وما بينهم من فروق يجب اعتبارها". وقد يختلف الجواب عن السؤال الواحد في القضية الواحدة في المجلس الواحد، فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فَجَاءَ شَابٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ، أُقَبِّلُ وَأَنَا صَائِمٌ ؟ قَالَ: لاَ ، فَجَاءَ شَيْخٌ فَقَالَ: أُقَبِّلُ وَأَنَا صَائِمٌ ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَنَظَرَ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: قَدْ عَلِمْتُ لِمَ نَظَرَ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ ، إِنَّ الشَّيْخَ يَمْلِكُ نَفْسَهُ [2] .

وتختلف مواقفه - صلى الله عليه وسلم - باختلاف الأشخاص الذين يتعامل معهم، فيعامل الأعراب بما لا يعامل به أصحابه الملازمين له؛ فيغتفر لأولئك ما لا يغتفر لهؤلاء، ويتألف قلوب مسلمة الفتح وزعماء القبائل بما لا يصنع مثله مع السابقين من المهاجرين والأنصار، ويغطي فخذه عند دخول عثمان ولم يفعل ذلك مع أبي بكر وعمر، وإن دخل عليه كريم قوم أكرمه، وإذا دخل عليه سفيه أو شرير داراه بطلاقة الوجه أو بكلمة طيبة ـ دون مداهنة أو مدح بالباطل ـ تألفًا له، واتقاءً لشرّه، وتختلف أوامره - صلى الله عليه وسلم - وتكليفاته باختلاف من يأمرهم

(1) - انظر تفصيل ذلك في كتابي (( الأساليب النبوية في التعليم ) )

(2) - مسند أحمد (عالم الكتب) - (2 / 645) (6739) حسن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت