فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 229

وهما مشهدان فيهما من البلاء قدر ما فيهما من السخرية والاستهزاء. السخرية بالمكذبين والاستهزاء بالمستهزئين ، الذين كانوا يقولون: «مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ؟» ..

فهم في المشهد الأول عميان مطموسون. ثم هم مع هذا العمى يستبقون الصراط ويتزاحمون على العبور ، ويتخبطون تخبط العميان حين يتسابقون! ويتساقطون تساقط العميان حين يسارعون متنافسين! «فَأَنَّى يُبْصِرُونَ» وهم في المشهد الثاني قد جمدوا فجأة في مكانهم ، واستحالوا تماثيل لا تمضي ولا تعود بعد أن كانوا منذ لحظة عميانا يستبقون ويضطربون! وإنهم ليبدون في المشهدين كالدمى واللعب ، في حال تثير السخرية والهزء. وقد كانوا من قبل يستخفون بالوعيد ويستهزئون! ذلك كله حين يحين الموعد الذي يستعجلون .. فأما لو تركوا في الأرض ، وعمروا طويلا وأمهلهم الوعد المرسوم بعض حين فإنهم صائرون إلى شر يحمدون معه التعجيل .. إنهم صائرون إلى شيخوخة وهرم ، ثم إلى خرف ونكسة في الشعور والتفكير: «وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ. أَفَلا يَعْقِلُونَ» ..

والشيخوخة نكسة إلى الطفولة. بغير ملاحة الطفولة وبراءتها المحبوبة! وما يزال الشيخ يتراجع ، وينسى ما علم ، وتضعف أعصابه ، ويضعف فكره ، ويضعف احتماله ، حتى يرتد طفلا. ولكن الطفل محبوب اللثغة ، تبسم له القلوب والوجوه عند كل حماقة. والشيخ مجتوى لا تقال له عثرة إلا من عطف ورحمة ، وهو مثار السخرية كلما بدت عليه مخايل الطفولة وهو عجوز. وكلما استحمق وقد قوست ظهره السنون! فهذه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت