وصار للكهانة والعرافة صولة أيما صولة، واتخذ علماء السوء وسائل الخداع باسم التطبيب، وتقلد زعماء الطرق الصوفية زعامة الشئون الإسلامية؛ فظهر الغلو في تقديس الأشخاص والتقليد الأعمى للآباء والمشايخ بالإضافة إلى الجهل الذي عمت به البلوى وانتشرت البدع والخرافات وعبدت الأضرحة وسجد للسلاطين، فحينئذ تمت سنة الله في تجديد هذا الدين على يد الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة، فظهرت جماعة إزالة البدعة وإقامة السنة التي ينبئ اسمها عن مرامها. ولقد كان لإرشادات الشيخ ونصائحه ودندنته حول إعادة النظر في البدع المنتشرة في البلاد والنظر في سبيل العودة إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم كان لذلك كله أثر واضح في تأسيس هذه الجماعة [1] بخاصة بعد أن ألف كتابه"العقيدة الصحيحة بموافقة الشريعة"الذي ألفه للغرض نفسه.
(1) يجدر هنا أن نعطي إلماحة عن هذه الجماعة من حيث تاريخها ودورها الدعوي:
تاريخ الجماعة:
تأسست جماعة إزالة البدعة وإقامة السنة وتم حفل افتتاحها يوم 7/ 2/1987 في جوس، إحدي مدن الشمال وهي ذات الثقل الاقتصاري والوجود النصراني وتم تسجيلها رسميا بعد سبع سنوات من هذا التاريخ، وذلك في يوم 11/ 12/1985 في عهد حكومة الرئيس إبراهيم بدماسي بابنجيدا. وكان تلاميذه الشيخ أبى بكر جومي هم طلائع هذا الركب الكريم. ونضاف إلى هذه الجماعة عدد من الشبان فلم يمض على تأسيسها إلا بضعة أشهر حتى سمع بها القاضى والداني، وصار لها فروع في كافة مدن الشمال وبعض مدن الجنون كذلك، بل توسعت إلى بعض دول الجوار كالنيجير مثلا، وتحمس لدعوتها عدد غير قليل من الناس.
نظامها وأنشطتها:
وكان لهذه الجماعة نظام فريد بين الجماعات المعروفة في المنطقة، فالإدارة المركيز في"جوس"تتمتع بمميزات السلطة وصنع القرار. وهناك مجلس شوري - وهو مجلس العلماء على اصطلاحهم - على المستوى الوطاني والمستزيات المحلية. وهناك شركة تسمى شرطة الإسعافات الأولية وهم بمثابة الحرس الوطني لزعامة هذه الجماعة، وليلعبون دور المرشد في الطرق الملتوية والخادم عند الحفلات وأمن الشوارع عند الإجتماعات ولهم أدوار أخري كثير.
هذا وقد غطت أنشطة هذه الجماعة جميع طبقات الناس وفئاتهم ووصلت إلى المنتديات والمحطات والأسواق، واهتموا بتعليم النساء ففتحوا المدارس الليلة التي أسهمت في النهضة النسائية الحاضرة. ولقد أتي على هذه الجماعة حين من الدهر وهي تتمتع بسبعة الشعبية وبتأييد من الشخصيات الكبار من الضباط والموظفين والتجار وغيرهم.
مواردها المالية أما مواردها المالية فتنحصر في تبرعات أفرادها، وزكوات المنتمين إليها مع ما فيهم من الأغنياء والتجار والفلاحين وغيرهم. واشترت الجماعة أسهما في بعض الشركات، وفتحت في جوس بعض المدارس والمستشفيات.
تقويم الجماعة
هذا ويرى النقاد أنه عكر على صفو مسيرة هذه الجماعة بعض التصرفات السلبية من بعض زعمائها والمنتسبين إليها. ومن هذه السلبيات ما يلي: -
1)الغلظة في أسلوب إلقاء الوعظ وتجنب الحكمة فيه بحيث يجري في الوعظ تسمية بعض الناس بأسمائهم وإصدار الحكم عليهم ورميهم بالشرك والكفر مما يجرح مشاعرهم ومشاعر المتعاطفين لهم، بخاصة الزعماء منهم وقادة الطرق، ويمنع بالتالي قبولهم لهذه الدعوة الطيبة للعودة إلى العقيدة السليمة.
2)قلة البضاعة في العلوم الشرعية عند كثير من دعاة هذه الجماعة بحيث أصبحوا يصدرون الأحكام عن غير علم وبصيرة بل بحسب أهوائهم وما أدت إليه فهومهم القاصرة، ومن دون أي اعتبار للمعايير الشرعية في الحكم على المعين بالفسق أو بالكفر من توفر الشروط وانتفاء الموانع.
3)التعصب والجمود بحيث اعتبر كثير منهم أن هذه الجماعة هي الجماعة الوحيدة في دائرة الإسلام، وأن مجرد الانتساب إليها والسير في ركبها يكفي الإنسان في الوصول إلى بر الأمان. وبالمقابل فإنهم جعلوا غير المنتسب إلى هذه الجماعة - فضلا عن المخالفين - جعلوهم كلهم كفارا لا يجوز التناكح معهم ولا أكل ذبائحهم ولا الصلاة خلف أحدهم وهلم جرا. وهكذا تسرب التكفير إلى هذه الجماعة لينخر من عظامها ويوهن جسمها وتتلاشى وتقترب إلى الزوال.
ولكن - بفضل الله تعالى - تنبه بعض أولى النهى للخطر الذي تواجهه الجماعة فقاموا بواجب النصح والتوجيه وحاولوا - جاهدين - في مقاومة الغلو والتكفير، وقد أدى الأمر إلى انشقاق صفوف الجماعة وتصدع جدرانها وصارت جماعتين مختلفتين في القيادة وفي المنهج والأسلوب وإن كانتا تلبيان اسما واحدا. ولقد ظهر أخيرا في هذه المنطقة - كما في كثير من البلاد الإسلامية - الانجاه السلفي الذي يدعو إلى احترام تراث السلف والاستنارة به في فهم الكتاب والسنة مع عدم التعصب لرأي أحد واتخاذ المبدأ السني الشهير"كل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم".