فهرس الكتاب
أمّا (العشي) فأصله من مادة (عَشَا) ، ومصدره (عَشِيًّا) [1] ، ويدلُّ في اللغة عمومًا على: العُتمة والظلام، (( فالعين والشين وحرفٌ معتل أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على ظلامٍ وقِلَّةِ وضُوحٌ في الشيء ) ) [2] . وحدّد الجوهري [3] وقت (العشي) بقوله: العَِشُّي والِعشيَّةُ: من صلاة المغرب إلى العُتمة. وأنَّ قومًا ذهبوا إلى أنّ العِشَاء من زوال الشمس إلى طُلُوع الفجر، وعلى هذا القول الثاني الراغب [4] .أمّا الزمخشري [5] ، فقد جعل (الظُلمة) صفة (للعَشْوة) .
وردت مادة (عَشَا) في القرآن الكريم في أربعة عشر موضعًا [6] ، بدلالتين:
الأولى: سوء البصر من غير عمىً، فيقال: عَشَا يَعْشُو عَشْوًا، لمن لا يُبصر بالليل ويُبصر بالنهار [7] ، فوردت بصيغة الفعل المضارع (يَعْشُو) مرةً واحدةً، وذلك في قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [8] ، فمعنى (يعشُ) : يتعامى [9] ، وقد استعمل هذا الفعل المضارع هنا مجازًا على غير استعماله الحقيقي؛ لأنَّ العشو يعبِّر - في الأصل- عّما هو مادي، في حين كان استعماله هنا معنوي، وهو ذكر الرحمن.
الثانية: وهي الدلالة اللغوية الأصيلة.
وقد قابل القرآن الكريم بين (الإشراق) و (العشي) في موضعٍ واحدٍ، هو قوله عزَّمن قائل: {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ} [10] ، فقد جُمعِت اللفظتان في سياقٍ دلالي واحد في معرض الحديث عن هبات الله ... -سبحانه- التي كرّم بها نبيه داود - عليه السلام -، فوهبه فضلًا عن المُلك والسُلطان، قلبًا ذاكِرًا
(1) معاني القرآن، الأخفش 2/ 462.
(2) مقاييس اللغة 4/ 322 (عشو) .
(3) الصحاح 6/ 2426 (عشا) ، مختار الصحاح/435 (عشا) ، لسان العرب 19/ 286 - 289 (عشا) .
(4) المفردات /502 (عشا) .
(5) أساس البلاغة 2/ 118 (عشو) .
(6) المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم /587 - 588 (عشا) .
(7) لسان العرب 19/ 286 -287 (عشا) .
(8) الزحف/36.
(9) تفسير ابن كثير 4/ 129.
(10) صَ/18.