فهرس الكتاب
وقد قوبل بين اللفظين في أربعة مواضع من القرآن الكريم، حاملين دلالة طرفي النهار، كالذي في قوله تعالى من سورة الفرقان [1] : {وَقَالُوا أَسَطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} . فأراد -سبحانه- (بالبكرة) : أول النهار، وبـ (الأصيل) : آخره [2] . وتُشعر صيغة الفعل المضارع (نُملي) الواردة في سياق الآية الكريمة، بدوام حدوث فعل (الإملال) واستمراره، فهي قرينة لفظية سياقية [3] . وأما قوله تعالى: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [4] ، فالهاء الواردة مفعولًا للفعل المضارع (تسبحوه) راجعةً إلى الله عزَّ وجل. وقد أفاد الفعل (تُسبِّح) تعظيم الخالق وتنزيهه عن كل سوءٍ [5] ، فضلًا عن إفادته على المداومة والاستمرار. ومعناه: يُسبحون الله ويصُلون له دائمًا. وقد ذُكِر الوقتين (البُكرة) و (الأصيل) -وهما طرفا النهار- دون سائر الأوقات؛ للدلالة على دوام الحدث، وليس لحدوثه في هذين الوقتيين فقط.
ويُلحظ أنَّ اللفظين (بكرة) و (أصيل) وردا نكرتين؛ لكونهما منونين. (( وعدم التنوين فيهما للتعريف ) ) [6] ، في مواضع تقابلهما الأربعة، ولذلك صُرِفا؛ لأنَّ ما بعد (بُكرة) -وهي النكرة الأولى- وورد اللفظ (أصيل) هو نكرة أيضًا معطوف على ما قبله.
وقد تقدمت (البُكرة) على (الأصيل) في سياق الآيات السابقة؛ لكونها أسبق من (الأصيل) زمنيًا فكانت الأجدر بالتقديم في الذكر من (الأصيل) ، مراعاة للأولوية.
(1) الآية /5، ومثلها الأحزاب /42.
(2) مدارك التنزيل وحقائق التأويل، للنسفي 3/ 365 المكتبة الأموية-دمشق، (د. ت) . مجمع البيان 29/ 153، التحرير والتنوير18/ 325.
(3) التقابل الدلالي في القرآن الكريم/منال صلاح الدين /32.رسالة ماجستير.
(4) الفتح /9، (مثلها الإنسان/25) .
(5) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج 5/ 22، مجمع البيان 26/ 56.
(6) بدائع الفوائد 2/ 102.