فهرس الكتاب
ويحدّد كل معنىً للفظ المشترك القرائن الدلالية، من لفظية (سياقية وغير سياقية) ، وحاليّة وعقلية. كما في لفظة (الرَّبُّ) التي بيَّن ابن خالويه [1] (ت 370هـ) اختلاف معانيها بحسب ما تُضاف إليه فقال: (( الرَّبُّ في اللغة: السِّيد والمالك ... وربّ اسم مشترك، يقال: رَبُّ الضَّيعةِ، ورَبُّ الدار، ولا يُقال الربُّ: بالألف واللام إلا لله تعالى. ورَبُّ أيضًا مصدر من قولك: رَبَيْتُ الشيء، فأنّا أرُبُّهُ رَبًّا ) ).
فيُلحظ من هذا الكلام أنَّ لفظة (الربّ) تتحدّد دلالتها باستعمال مُعينٍ، فيختص معناها بشيءٍ دون آخر بحسب ما تُضاف إليه، أمّا عندما يُقال: (الرَّبُّ) فإنّه يختص بالخالق وحده - جل جلاله -، ولا يصّح إطلاقه على غيره، فدلَّت (الألف واللام) على معنى العموم [2] . وبذلك أدَّت القرائن الدلالية دورها في بيان المعنى المُراد من اللفظة، إذ (( يُمكن أن نتبين أثر السياق في تحديد دلالة(الربّ) في بعض استعمالاتها، كالذي في قوله - سبحانه وتعالى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [3] ، فقد حدّد السياق في هذا النص القرآني دلالة (رب) بشيء واحد، وهو الله خالق كل شيء؛ (( وذلك لأنّه ذكر الأمر بعبادته في البداية، وأشار إلى البيت بحرف الإشارة(هذا) ، ليُحدَّده بدقةٍ دون سواه من بيوت الله أو غيره من البيوت )) [4] .
فالمشترك اللفظي إذن صورة بارزة من صور التطور اللغوي، فإنّه لا يُعقل أن يكون لفظ واحد قد وضِع لعدة معاني ابتداءً، ولكن الواقع أنَّه نتيجة لعدة عوامل تُسهم في وقوعه من ناحيته النظرية، منها اختلاف اللهجات القديمة، وتأثير بعضها ببعض، ومنها ما يقع من تطور صوتي في بعض الألفاظ من تغيير أو حذف أو زيادة وفقًا لقوانين التطور الصوتي، ممّا قد ينتج عنه اتحاد لفظ آخر في الصورة وإن كان يختلف معه في المدلول، ومنها تطور المعاني وتغيرها مع الأحتفاظ بالأصوات، وهذا الأخير هو الذي يُنتِج كلمات اشتركت في الصورة واختلفت في المعنى [5] .
(1) إعراب ثلاثين سورة من القرآن الكريم /5.
(2) تفسير غريب القرآن/9.
(3) قريش / 3 - 4.
(4) فقه اللغة العربية، د. كاصد الزيدي /145.
(5) في اللهجات العربية /181، وينظر التطور الدلالي بين لغة الشعر الجاهلي ولغة القرآن الكريم /59 - 60.