فهرس الكتاب
ويلتقي الرمز بالإيحاء، فكلاهما يشير إلى شيءٍ منه خفاء، ولذلك استعمله القرآن في مواضع اتّسمت بهذه السمة، كما سنرى.
أمّا (الرمز) في القرآن، فله صور عدة، منها الإشارة بدل الكلام، وقد عناه جلّ وعلا بقوله على لسان زكريا -عليه وعلى نبينا السلام-: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ} [1] . فأراد تعالى بقوله: (رمزًا) ، أي: وحيًّا وإيماءً وإشارةً، باللسان أو باليد [2] ، وذلك بعد أن فقد هذا النبي الموعود بالولد القدرة على النطق. وكان ذلك بشارة له على منحه الولد الذي دعا الله سبحانه أن يهبه له. فكان هذا الرمز على طريق الوحي والإيماء ويحتمل أن يكون الرمز بالكتابة، كالذي في قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلثَ لَيَالٍ سَوِيًّا * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} [3] فالإيحاء في اللغة: إلقاء المعنى إلى النفس في خفية وسرعة من الأمر، فأصله السرعة من قولهم: الوَحْي، الذي يراد به: الإسراع [4] .
أمّا اصطلاحًا فهو: (( الإبانة عمّا في النفس بغير المشافهة، على أي معنى وقعت: من إيماء، وإشارة، ورسالة، وكتابة ) ) [5] .
فأراد سبحانه بالفعل الماضي (أوحَى) في سياق الآية الكريمة: الإشارة اليهم والإيماء، وقيل أراد به: كتب لهم على الأرض، فالوحي هنا بمعنى: الكتابة، وهو قول مجاهد والسدي [6] . فيلحظ أنّ (الإيحاء) هنا يحمل نفس دلالة (الرمز) الواردة آنفًا في سورة آل عمران. وقد علَّل المفسرون [7] ذلك بقولهم: إنَّ ذكر (الليالي) في مريم و (الأيام) في
(1) آل عمران/41.
(2) تفسير غريب القرآن /105، وجامع البيان 3/ 178، وتفسير ابن كثير 1/ 363.
(3) مريم/11.
(4) التبيان في تفسير القرآن7/ 110، مجمع البيان16/ 15.
(5) البرهان في وجوه البيان /139.
(6) التبيان في تفسير القرآن7/ 111، مجمع البيان16/ 17، تفسير ابن كثير3/ 114.
(7) الكشاف3/ 7، تفسير ابن كثير3/ 114.