فهرس الكتاب
ومن رموز التمثيل الأخرى لفظة (العنكبوت) التي استعملها القرآن الكريم استعمالًا رمزيًا، دلّت فيه على: الوهن والضعف والخَوْر. فالعنكبوت: حشرة معروفة تمتاز بالضعف والرخاوة، لا حماية لها من تكوينها الرخو، ولا وقاية لها من بيتها الواهن الذي تنسجه [1] . وأصلها من مادة (عَنكَبَ) وهي على زنة (فَعْلَلُوْت) ، وتجمع على وجوه عدة، فيقال: عَنَاكِبُ وعَنَاكِيبُ وعِنْكابٌ وعُكُبٌ وأَعْكُبٌ [2] .
أمّا في القرآن الكريم، فقد وردت اللفظة مرتين [3] ، في آيةٍ واحدةٍ في سورة العنكبوت [4] ، وهو قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} . فضرب -سبحانه- بذلك مثلًا لمن اتخذ من دون الله وليًّا، أنّه لا ينفعه شيئًا ولا يضرّه. فحاله كحال بيت العنكبوت لا يقيها حرًّا ولا بردًا [5] ، فضلًا عن كونه في غاية الوهن بحيث يسهل تمزيقه، فأصبح هذا المثل قولًا سائرًا يُشبّه به حال الثاني بالأول [6] ، وكان الغرض من تشبيه ما اتخذوه مُتكلًا ومُعتمدًا في دينهم وتولّوه من دون الله، بما هو مَثَلٌ عند الناس يضرب في الوهن والضعف، وهو نسيج العنكبوتِ، فيقال: حال المشرك الذي يعبد الوثن بالقياس إلى المؤمن الذي يعبد الله، كحال العنكبوت يتخذ بيتًا [7] ، وهو بيت واهن ضعيف لا يَثْبُت أمام شيء.
وقد ذكر بعض العرب هذا المثل قبل وروده في القرآن الكريم، فكان من أقوالهم ما قاله الشاعر:
عَلى هطَّالِهِم مِنْهُم بُيُوتٌ كَأنَّ العَنْكَبُوتَ هُوَ ابْتَنَاها [8]
(1) التبيان في تفسير القرآن 20/ 211، في ظلال القرآن 20/ 411.
(2) إعراب القرآن، النحاس 3/ 257.
(3) المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم/625 (عنكب) .
(4) الآية /41.
(5) معاني القرآن، الفراء 2/ 317.
(6) التبيان في تفسير القرآن 20/ 211.
(7) الكشاف 3/ 454.
(8) البيت مذكور في معاني القرآن، الفراء 2/ 317، وإعراب القرآن، النحاس 3/ 256 - 257، وتفسير التبيان 20/ 211 بلا نسبة.