فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 273

وهي الدلالة التي تُستمد من طبيعة عدد من الأصوات [1] . وهي تسمية جديدة أطلقها علم اللغة الحديث، فهي دلالة الجرس والإيقاع في لفظة ما أو تركيب مُعين على المعنى، وهو ما يُطلق عليه في اصطلاح علم اللغة الحديث (الأنوموتوبويا) ( Anomatopoeia) وتعني: الصلة الواضحة بين اللفظ والمدلول [2] .

فإذا كانت الدلالة الصوتية متعلقة بعناصر وظواهر من الطبيعة سُمِّيت: (المناسبة الطبيعية) .

وتعد هذه الدلالة خصيصة من خصائص العربية. وقد تحدَّث عنها ابن جني [3] في الباب الذي سماه (قوة اللفظ لقوة المعنى) ، وضرب لذلك أمثلة عدّة، فقال: (( منه قولهم: خَشُنَ واخْشَوْشَنَ. فمعنى خَشُنَ دون معنى اخْشَوْشَنَ؛ لما فيه من تكرير العين، وزيادة الواو. ومنه قول عمر -رضي الله عنه-: واخْشَوْشَنُوا وتَمَعْدَدُوا ) )أي: صيُروا ذوي خشونة، شبيهين بمعدِّ - وهو من آباء العرب القدماء - في الخشونة في المأكل والملبس وغيرهما.

وقد حفل القرآن الكريم بهذه الظاهرة الصوتية، فكان لها أثر كبير في المعنى العام للتعبير. (( فالقرآن يستعمل الألفاظ ذات الجرس الموسيقي الناعم الرخي، والسلس المُوحِي في المواضع التي يَشِيع فيها جوّ من الحياة الهانئة السعيدة الجميلة ... ويبدو العكس في مواضع كثيرة أخرى، إذ قد تتسم الموسيقى بالقوة والشدّة المناسبة للمعنى الذي أراد تصويره وبيانه ) ) [4] .

ويُمكن أن نتبين ذلك في قوله تعالى من سورة البقرة: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [5] ؛ إذ يُلحظ أنّ الفعل (اكتسب) ورد بصيغتين مُختلفتين هُما: (فَعَل) و (افْتَعَل) . وقد علل ابن جني [6] ذلك بقوله: (( فزيد في لفظ السيئة وانتُقِص من لفظ

(1) دلالة الألفاظ، د. إبراهيم أنيس / 130، مكتبة الأنجلو - مصر / ط2 - 1963م.

(2) المصدر نفسه /22، وينظر فقه اللغة العربية، د. كاصد الزيدي / 135.

(3) الخصائص 3/ 264.

(4) الجرس والإيقاع في التعبير القرآني، د. كاصد الزيدي / 335 و345 - بحث منشور في مجلة آداب الرافدين - العدد (9) ، أيلول 1978م.

(5) البقرة /286.

(6) الخصائص 3/ 265.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت