فهرس الكتاب

الصفحة 239 من 273

وقد التفت السيوطي [1] أيضًا إلى أثر السياق في تحديد هذا المعنى بقوله: أنّ (النَجْم) يطلق على الكوكب ويرشحه لذلك ذكر الشمس والقمر في سياقه، وعلى ما لا ساق له من النبات، وهو المعنى البعيد له، وهو المقصود بقوله تعالى في سورة الرحمن.

ويُلحظ أيضًا خلع الحياة على هذين العنصرين الطبيعيين الصامتين، إذ خاطبهما -سبحانه- مُخاطبة الذي يعقل ويفهم، فشُخّص (النجم والشجر) بالفعل المضارع المسند إلى المثنى (يَسْجُدان) ، ويدل (السُّجُود) على: الاستسلام والانقياد والخُضوع [2] ، وهو فعلٌ من أفعال العقلاء [3] . وقد وصف به تعالى ما لا يَعقل، فأُجري مجراه، للدلالة على الحدوث، وإثبات المُحدَث المُدبر المُصرِّف لهذا الكون لما يريده من غير امتناع، فورد (السجود) دون غيره، ليدل على استسلامهما لله بالتسخير [4] ، فضلًا عن دلالته على أنّ (النجم) في الآية ليس المراد به نجم السماء؛ لأنَّه لو فُسِّر به، لقيل: (يسجد بالغروب) ، وليس (يسجدان) ؛ لأنَّ التثنية دلّت على أنّهما أرضيان، وأنَّ ظلالهما هي التي تسجد، فاختص السجود بهما دون الشمس والقمر من حيث إنّ السجود بطبيعته يتطلب وضع الجبهة أو مقاديم الرأس على الأرض، و (النجم والشجر) في الحقيقة رؤوسهما على الأرض وهي الجذور، وأرجلهما في الهواء [5] وهي الأغصان.

ويُلحظ تقديم (النجم) على (الشجر) في الآية الكريمة، بالنظر إلى حجم أجرامهما، إذ الأول يدنو من الأرض فيكون صغير الحجم، والثاني يرتفع عنها فيكون عاليًا كبير الحجم. وقد أضاف الرازي [6] إلى هذا السبب سببين آخرين، أحدهما لفظي والآخر معنوي:

فاللفظي منهما، أرجعه للموازنة اللفظية بين (الشمس والقمر) و (النجم والشجر) . أمّا المعنوي، فأرجعه إلى أنّ (النجم) في معنى السجود أدخل؛ لأنّه ينبسط على الأرض كالساجد حقيقةً، فلذا قُدِّم على (الشجر) في الآية الكريمة.

(1) الإتقان في علوم القرآن 2/ 183.

(2) غريب القرآن، السجستاني /203، مجمع البيان 14/ 56.

(3) التشخيص الفني لعناصر الطبيعة في القرآن الكريم، د. كاصد الزيدي، بحث منشور في مجلة منار الإسلام ص/26، العدد/9، السنة/27، رمضان 1422هـ-2001م.

(4) تأويل مشكل القرآن /418.

(5) التفسير الكبير 29/ 89.

(6) المصدر نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت