فهرس الكتاب
لمعنى الهُمود (( فالخاء والشين والعين أصلٌ واحدٌ يدلُّ على التّظامن ) ) [1] . وهو الخلُوّ من الخُضرة. والمصدر منه (الخُشُوع) ، وأصله (( الخضوع، يقال: خَشَعَ واخَتَشَعَ. وخَشَعَ ببصره، أي غضَّهُ ) ) [2] .
وقد ذكر الزجاج [3] أنَّ الأرض الخاشعة هي: (( المُتهشِّمة المُتغيِّرة ) )، وهي الميتة التي لا نبت فيها (( وأراد: المتهشّمة النبات ) )، وذكر ذلك ابن منظور أيضًا، مُبيّنًا أنَّ الأرض إذا يبست ولم تُمطر قيل في وصفها: (خَشَعَتْ) . ونقل قول العرب: (( رأيْنا أرضَ بني فُلانٍ خاشِعَةً هَامِدةً ما فيها خَضْراء ) ) [4] . فجعلوا الخشوع هو الهُمود، والهُمود هو الخشوع، أي أنَّهم جعلوا كلتا اللفظتين متساويتين ومتماثلتين في الدلالة لتأديتهما المعنى نفسه.
وذكر الطبرسي أنَّ في معنى (خاشعة) في قوله تعالى: {وَمِنْ آيَتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} [5] عدَّة أقوال منها، ما حكاه قتادة والَسدَّي. وهما تابعيان- أنَّ المعنى: (( غبراء دراسة مُتهشمة، أي كأنَّ حالها حال الخاضع والمتواضع ) ). فهذا عُبَّر عنه بأسلوب التشخيص الاستعاري، من حيث إنَّ الخضوع والتواضع في الأصل من صفات الإنسان إلا من صفات النبات. وحكى أيضًا أنَّ معناها: (( ميتة ويابسة لا نبات فيها ) )، وحكى عن الأزهري (370هـ) : إنَّ ذلك الخشوع يكون (( إذا يبست الأرض ولم تُمطرَ ) )فيقال عندئذٍ قد خشعت [6] .
وفي ضوء ما تقدم تكون لفظة (هامدة) قد جُمعت مع (خاشعة) بوحدةٍ دلالية، وذلك بتماثلهُما في الدلالة على الأرض اليابسة الميتة التي لا نبات فيها.
فالمتأمل في سياق هاتين الآيتين يتبين له وجه تناسق اللفظتين مع سائر الألفاظ؛ لأنَّ (( الجو في السياق الأول(من سورة الحج) جو بعث وإحياء وإخراج، مما يتسق معه تصوير الأرض بأنها (هامدة) ، ثم تهتز وتربو، وتنبت من كل زوج بهيج. وإنَّ الجو في
(1) مقاييس اللغة 2/ 182 (خشع) .
(2) الصحاح 3/ 1204 (خشع) .
(3) معاني القرآن وإعرابه 4/ 487.
(4) لسان العرب 9/ 423 - 424 (خشع) .
(5) فصلت /39.
(6) مجمع البيان 24/ 25.