وهذا الموضوع ليس من المواضيع القطعيّة التي فيها الحقّ مع واحدٍ، حتى لا يجوز الاجتهاد فيه والنظر، وإلّا لما اختلف المسلمون في ذلك منذ العصر الأوّل، بل هو كغيره من المسائل النظريّة التي يظهر الحقّ فيها بالنظر إلى الدليل واتّباعه.
إذا تقرّر هذا فلا معنى لتعنيف من قال بهذا القول وذهب إليه، فضلًا عن رميه بالفسق والضلال!
وقد روى عبد الرزّاق عن معمر قال: لو أنّ رجلًا قال: عمر أفضل من أبي بكر ما عنّفته، وكذلك لو قال: «عليّ أفضل عندي من أبي بكرٍ وعمر» لم أعنّفه إذا ذكر فضل الشيخين وأحبّهما وأثنى عليهما بما هما أهله.
قال عبد الرزّاق: فذكرتُ ذلك لوكيعٍ فأعجبه واشتهاه.
وقولهم: إن الجمهور على تفضيل الثلاثة على عليٍّ عليه السّلام؟!
ـ على تسليم صحّته ـ فهو مردود، لأنّ العبرة بجَمْهَرة العقلاء، الذين يبنون قولهم على الدليل الصحيح البيّن.
أمّا الجمهور الذي يعتمد في قوله على دسائس النواصب ـ أعداء الله ورسوله وأهل بيته ـ فقوله لا يَلتفت إليه عاقل، ولا يركن إليه إلّا أهل الغفلة الذين تروج عليهم الأكاذيب في صورة الحقّ والصدق، أو أهل الضلالة الذين يعلمون الحقّ ويقرّون به في قلوبهم، ويمنعهم من الإفصاح به مرضٌ في القلب، أو غِلٌّ في الصدر ـ كما هو حال أغلب من ناصب العداء والكراهية لعليٍّ عليه السّلام.
ولم يكلّفنا الله باتّباع الجمهور، وإنّما كلّفنا باتّباع الدليل والبرهان.
فإذا ثبت عند أحدٍ صحّة دليل قولٍ وخالفه، واتّبع الجمهور في قولٍ يعلم بطلانه وفساده وبُعده عن الحقّ والصواب ـ كقوله هنا في حقّ عليٍّ عليه السّلام ـ فهو آثمٌ خاطي ءٌ.
ونضرب لهم مثلًا برجلٍ في أُمّةٍ لم تصلها دعوة التوحيد، وهداه الدليل إلى أنّ الله واحد لا شريك له، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤًا أحد، ثم رأى أن هذا الدليل