وسبب ذلك [4] ركونه إلى التقليد، واعتناقه لقول الجمهور من غير بحث ونظرٍ في دليله.
والحاصل أنّ العبرة بالقول المبنيّ على الدليل، فلو كان أهل الأرض في جانبٍ والدليل في جانبٍ لكان الحقّ مع من أخذ بالدليل، رغم خلاف العالم كلّه له.
وإذا تتبّعت أحوال الاُمم اليوم وجدت الذين يدينون بغير التوحيد يزيدون ثلاثة أثلاثٍ على الذين يدينون بالتوحيد، ولم يقل مجنونٌ فضلًا عن عاقلٍ: إنّ الحقّ مع هذه الأغلبيّة الساحقة في الكفر.
فعلى المسلم الحريص أن لا يغترّ بما يدْعونه قول الجمهور، ولا يعمل بقولٍ حتى يتأكّد من صحة دليله، فما صحّ دليله فهو قوله ـ ولو كان العالَم كله على خلافه ـ.
إذا علمت هذا، فما يُدَنْدِنُ حوله مَنْ ألّف في العقائد من أنّ الجمهور على أنّ عليًّاعليه السّلام هو آخر الأربعة في الفضل، قولٌ كلّه زورٌ، وكذبٌ، وبهتانٌ، وكفرٌ بفضل هذا الإمام عليه السّلام اخترعه أهل النفاق، وراج على البُله من المؤلّفين المؤمنين؟!
(4) وسببٌ آخر يمنع الإنسان من اتّباع الحقّ والعمل به ـ ولو مع وضوحه وظهوره ظهور الشمس في وَضَح النهار ـ وهو نشوؤه على أمرٍ تلقّاه عن آبائه وعشيرته، ووجد عليه البيئة التي تربّى فيها، والوسط الذي شبّ فيه، وذلك له أثرٌ عظيم جدًّا على التفكير، والنظر في الأدلّة الشرعيّة بالطريق الذي يجعل القلب ينشرح للعمل بها بدون تردّدٍ ولا التفاتٍ لقولٍ أو لرأيٍ يخالفها، وبسط هذا بأدلّته له موضع آخر.
وقد أشار إلى لُمْعةٍ منه ابن خلدون في مقدّمته ـ وإن كان لم يسهب ـ.
فمثل هذا من الصعب عليه جدًّا الخروج عمّا هو فيه من الباطل إلى اتّباع الحقّ والعمل به ـ ولو وضح دليله، وظهر برهانه ـ إذا لم يؤيّده الله تعالى بهدايته وتوفيقه.
وهذا أوّل شي ءٍ كان يلقاه رسول الله من قومه عند دعوتهم إلى الإيمان بالله وحده، يردّون دعوته بكونها مخالفةً لما وجدوا عليه آباءَ هم كما بيّن ذلك الله تعالى في كتابه في غير ما آية، وأمر سبحانه رسوله أن يردّ عليهم هذا الاحتجاج المنافي لنور العقل {قل أَوَ لَوْ جِئْتُكُم بِأَهدى مِمّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَ كُمْ} . (منه رحمه الله تعالى) .