الصفحة 18 من 65

فمن كان حبّه علامة على حبّ الله، وبغضه علامة على الكفر والنفاق، فلا يشكّ مسلم أنّه من أهل القربة الذين جعلهم الصوفيّة رضي الله عنهم أرقى وأعلى من أهل الصدّيقيّة.

وبهذا تعلم معنى قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم لعليّ: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي.

فهارون كان خليفةً لموسى في قومه، وكان الكفر به كالكفر بموسى، لأنّه خليفته متمّم لرسالته، فالكفر به كفرٌ بموسى عليه السّلام، فشابَه عليٌّ بهارونَ في هذا القدر، وهو أنّ بغضه بغضٌ للرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، والكفر بفضله ومزيّته كفرٌ بفضل ومزيّة أهل بيته الذين قال فيهم صلّى الله عليه وآله وسلّم: إنّي خلّفت فيكم اثنتين لن تضلّوا بعدهما: كتاب الله ونسبي، ولن يتفرقا حتّى يردا عليَّ الحوض.

وهو حديثٌ صحيح له طرق متعدّدة، سأفردها بجزءٍ إن شاء الله تعالى، وأولاد الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يظهروا إلّا من صُلب عليٍّ عليه السّلام، فبغضه يؤدّي بصاحبه إلى الإعراض عن أحد الأسباب التي تعصم من الضلال والغواية.

وإذا ترك هذا السبب ترك السبب الآخر، وهو كتاب الله لا محالة، لأنّ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم أخبر بتلازمهما، وعدم افتراقهما حتّى يردا على الحوض.

ومن هنا يتحقّق فراغ قلوب أعداء عليٍّ عليه السّلام وأولاده من الإيمان ـ كما يشهد لذلك قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: لا يبغضك إلّا منافق ـ.

وهارون كان خليفة لموسى في قومه ليسوسهم بالوعد والوعيد حتّى لا يعبدوا الأصنام ويكفروا بربّهم، فكانت خلافته لموسى في بني إسرائيل ظاهرةً غير باطنةٍ، لأنّ النبوّة شأنها ذلك، لا تكون إلّا ظاهرةً ليتمّ الإنذار والوعد والوعيد، وتقوم الحُجّة على الجاحد.

أمّا عليٌّ عليه السّلام فكانت خلافته لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في الباطن، لأنّ النبوّة خُتمت به صلّى الله عليه وآله وسلّم، فورث عن الرسول علومًا جمّة كثيرةً، والأنبياء لا يورّثون إلّا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت