الصفحة 19 من 65

العلم، فأخذ عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم من العلوم والأسرار والمعارف ما يعجز عن وصفه العارفون ـ أهل الكمال والنور ـ فضلًا عمّن يأخذ الأخبار من بطون الكتب والدفاتر.

لأنّه لا يَعرف قدر الشخص إلّا من كان في منزلته ورتبته، كما قال محمّد بن يحيى في حقّ الإمام الغزالي رضي الله عنه: لا يعرف فضله إلّا من بلغ أو كاد يبلغ الكمال في عقله.

قال التاج السُبْكيّ رحمه الله في (الطبقات الكبرى) [11] ـ عقبه ـ: قلت: يعجبني هذا الكلام، فإنّ الذي يحبّ أن يطّلع على منزلة من هو أعلى منه في العلم يحتاج إلى العقل والفهم، فبالعقل يميّز، وبالفهم يقضي، ولمّا كان علم الغزاليّ في الغاية القصوى احتاج من يريد الاطّلاع على مقداره أن يكون هو تامّ العقل.

وأقول: لابدّ مع تمام العقل من مداناة مرتبته في العلم لمرتبة الآخر، وحينئذٍ فلا يعرف أحدٌ ممّن جاء بعد الغزاليّ قدر الغزالي، ولا مقدار علم الغزاليّ إذا لم يجيء بعده مثله.

ثمّ المُداني له إنما يعرف قدره بقدر ما عنده، لا بقدر الغزالي في نفسه.

سمعت الشيخ الإمام يقول: لا يعرف قدر الشخص في العلم إلّا من ساواه في رتبته، وخالطه مع ذلك.

قال: وإنّما يعرف قدره بمقدار ما أوتيه هو. . . إلى آخر كلامه.

فإذا قيل هذا في الغزاليّ، فماذا عسى أن يُقال في عليٍّ عليه السّلام؟ ومنزلته ورتبته وقدره في العلم والمعرفة بالمكان الذي لا يطمع أحدٌ في مداناته فضلًا عن الوصول إليه [12] .

(11) طبقات الشافعيّة الكبرى.

(12) ويكفي دلالةً على ذلك أنّ العلوم الإسلامية كلّها مأخوذة عنه، وعن أهل كلّ فنٍّ منها يتّصل به، كما بين ذلك ـ بتوسّع ـ ابن أبي الحديد في مقدّمة (شرح نهج البلاغة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت