وقد أشار عليٍّ عليه السّلام إلى هذا في وصيّته لكميل بن زياد ـ وهي مرويّة عنه من طرقٍ ـ حيث قال له: هاه، إنّ هاهنا ـ وأشار بيده إلى صدره ـ علمًا لو أصبتُ له حَمَلةٍ!
ومن هنا كانت طريق أهل الخصوصيّة مأخوذة عنه عليه السّلام، ومتّصلة به على اختلاف مشاربها، لأنّه صاحبها ووارثها عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم دون غيره.
فخلافة عليٍّ للرسول صلوات الله عليه تشابه خلافة هارون لموسى عليهما السّلام في المعنى، وإنما تختلفان في أنّ خلافة هارون كانت ظاهرة يجب على بني إسرائيل جميعهم ـ جاهلهم وعالمهم ـ الانقياد لها، وخلافة عليّ بن أبي طالبٍ للرسول صلوات الله عليه وآله باطنيّة لا ينقاد لها إلّا أهل الخصوصيّة الذين أكرمهم الله بنور البصيرة، وهيّأ لهم طريق السعادة، ولهذا لا تجد صوفيًّا مُدْبِرًا عن عليٍّ عليه السّلام، لأنّه لا يصل إلى ربّه من غير طريقـ [ـه] ، فيجب عليه الانقياد والخضوع لخلافته الباطنيّة، كما كان يجب على بني إسرائيل اتّباع هارون والإيمان به.
فخلافة هارون وعليٍّ من حيث المعنى واحدة، فالكلّ منهما يوصل المؤمن بهما إلى درجة السعادة والرضوان.
ثمّ إنّهم قالوا في تعريف الصدّيقيّة: هي درجة خواصّ أصحاب الرسل.
ومن يشكّ في أنّ عليًّاعليه السّلام من خواصّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؟ بل هو من خواصّ خواصّهم.
فالصدّيقيّة ثابتة له بمقتضى هذا التعريف، ولو لم يرد ما يثبتها له، وإلّا فقد علمتَ أنّ مقام عليّ بن أبي طالبٍ عليه السّلام أعلى وأعظم من مقام الصدّيقيّة كثيرًا، وبيّنّا ذلك بالدليل الواضح، وأخبر بذلك عليّ عليه السّلام عن نفسه.
هذا في علوم أهل الظاهر، وأمّا الصوفيّة ـ أهل الباطن ـ فطرقهم ـ على اختلاف مشاربهم، وتعدد أذواقهم ـ تتفرّع منه، وينتهي منه كلّ طريقٍ منها إليه، كما هو مبيّن في كتبهم، وذلك لأنّه باب مدينة العلم ـ كما قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ (منه رحمه الله تعالى) .