الصفحة 37 من 65

قلت: ومن تكلم في جبارة فإنّما تكلّم فيه من جهة الغفلة لا غير، وتركه مَن تركه لأجل ذلك لا لكذبٍ ولا لاختلافٍ.

والغفلة لا يخلو منها أحدٌ مهما سَمَتْ رتبته في الضبط والإتقان، لكن إذا كثرت من الراوي ضعّفت الثقة في حديثه، واستحقّ الترك لأجلها، مع كونه صدوقًا في نفسه، ثقةً في حديثه، فإذا وجدت قرينةٌ تدلّ على ضبطه حديثًا من الأحاديث كان كحديث غيره من أهل الضبط والإتقان، وذلك بأنْ يُتابع أو يَرِد معنى ذلك الحديث من طرقٍ أُخرى، أو يرويه عنه من عُرِف بالتحرّي فيما يتحمّله عن الشيوخ.

فهذه القرائن إذا وجدت في حديث المغَفَّل تدفع تهمة الغفلة عنه في ذلك الحديث.

ثم إنّ جبارة هذا لم يكن كثير الغفلة ـ كما يدلّ على ذلك كلام أهل الجرح ـ فإنّ الأحاديث التي ذكروا غفلته فيها لا تزيد على الخمسة، ولو كانت غفلته كثيرة لأطلقوا القول من غير بيان الأحاديث التي وهَم فيها ـ كما هو حالهم مع المغفَّلين الذين يقلبون الأحاديث ـ. والوهَم في خمسة أحاديث أو ستّةٍ لا يدلّ على أنّ الراوي طُبع على الغفلة، ولا يُعَدّ بذلك مغفَّلًا ولا مضطرب الحديث.

والغفلة [في ذاتها لا تضرّ] [53] لأنّ الإنسان طُبع على الغفلة والنسيان، ولا يوجد من يخرج عن هذه الطبيعة إلّا من شذّ، وهو نادر لا حُكْم له، ولهذا قال عبد الله بن المبارك: مَن ذا سلم من الوهَم؟ وقال ابن معين: لست أعجب ممّن يحدّث فيُخطىء، إنّما أعجب لمن يحدّث فيصيب. قال الحافظ ابن حجرٍرحمه الله في مقدمة «اللسان» [54] ـ عقبه ـ: وهذا ممّا ينبغي أن يتوقّف فيه، فإذا جُرح الرجل

(53) ما بين المعقوفين زيادة لابدّ منها، فلاحظ.

(54) لسان الميزان 1/ 17 ـ 18.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت