الصفحة 39 من 65

وقال محمّد بن إبراهيم البوشنجي: ثقة. وقال ابن نمير: ثقة [56] .

قلت: والذين تكلّموا فيه إنّما تكلّموا فيه لأمرين، لا ثالث لهما:

أحدهما: حسدًا منهم له على حفظه وتصنيفه للمسند، كما أخبر بذلك يحيى ابن معين، وأخبر هو بذلك أيضًا عن نفسه. قال العُقيلي عن عليّ بن عبد العزيز: سمعت يحيى الحمّاني يقول لقومٍ غرباء عنده: لا تسمعوا كلام أهل الكوفة فيّ فإنّهم يسحدونني، لأنّي أوّل من جمع المسند، وقد تقدّمتهم في غير شيءٍ.

والجرح الذي يصدر عن مثل هذا مردودٌ مطلقًا ـ كما قدّمنا عن أئمّة الجرح ـ ولو اتّبعنا مثل هذا الجرح وعملنا بمقتضاه لتركنا جمهرةً كبيرةً من السُنّة، لأنّ أكثر رواتها جرحوا بسبب الحسد والهوى والعصبيّة.

والإنسان ـ كما قلنا سابقًا ـ هو الإنسان مهما سَمَت رتبته، وعَلَت مكانته، فإنّ نفسه لا تخرج عن حقيقة البشريّة، فتميل به في كثيرٍ من الأحيان عن الجادّة، وتذهب به في سبيل نصرة ما يعتقده وتأمره به إلى ما لا يرضاه ذو دينٍ، ولو سُقْنا الأمثلة لهذا، وذكرنا من جُرح من الرواة ظلمًا وعدوانًا وحسدًا وانتصارًا للمذهب والنفس لطال بنا المقام جدًّا.

وقد جمع الحافظ الذهبيّ رحمه الله في ذلك جزء ًا [57] ، لكن فاته أضعاف ما جمع ـ كما يَعلم ذلك من قرأ كتب الرجال، وسبر أحوالها ـ.

وسأكتفي هنا بمَثَلٍ واحدٍ من تلك الأمثلة وفيه الكفاية، لأنّه حصل من إمامٍ من أئمّة الجرح وهو يحيى بن معين في حقّ إمامٍ من أئمّة الأمّة وهو محمّد بن إدريس الشافعيّ رضي الله عنه، وما حمله عليه إلّا الهوى والتعصّب ـ قبحهما الله ـ فكثيرًا ما يوقعان الإنسان في العمى والضلالة ـ نعوذ بالله من السوء ـ.

قال أبو عمر بن عبد البَرّ: روينا عن محمّد بن وضّاح، قال: سألتُ يحيى بن

(56) تهذيب التهذيب 6/ 157 ـ 158.

(57) اسمه: الرواة الثقات المتكلّم فيهم بما لا يوجب ردّهم، وهو من مصادر كتابنا هذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت