الصفحة 41 من 65

الركون إليه إلّا بعد البحث، وبيّنّا ذلك فيما سبق فأغنى عن إعادته.

واعلم أنّ مسألة الجرح والتعديل اجتهاد محض، يدخل فيه الخطأ والوهم، كما يدخلان في الاجتهاد في مسائل الفروع وغيرها، بل الخطأ إلى الاجتهاد في الجرح أقرب منه إلى غيره.

فتجريح أحمد للحمّانيّ ـ مع توثيق الجمهور له ـ لا يمنع من إطلاق الصحّة على حديثه، كما أنّ تجريح مالكٍ ويحيى بن سعيد الأنصاريّ لعكرمة بالكذب لم يمنع الجمهور من الاحتجاج بحديثه وقبول خبره.

وأين حال الحمّانيّ من حال إسماعيل بن أبي أُويسٍ الذي اعترف على نفسه بالوضع والكذب، وقال: «كنتُ أضع الحديث لأهل المدينة إذا اختلفوا في شيءٍ فيما بينهم» !، وكذّبه جماعة من أهل الجرح.

ومع ذلك صحّحوا حديثه!!؟ وأخرج له البخاريّ ومسلم!!

وصحّحوا حديث أُسيد بن زيدٍ الجمّال، وقد كذّبه ابن معين، وقال: سمعته يحدّث بأحاديث كذب، وقال النسائي: متروك، وقال ابن حبّان: يسرق الحديث، وقال ابن عديّ: يتبيّن على روايته الضعف، وعامّة ما يرويه لا يُتابع عليه [59] .

ومع هذا كلّه أخرج له البخاري في الصحيح!؟

فحال الحمّاني أحسن من هؤلاء كثيرًا جدًّا، لتوثيق العدد الكثير له، وتفرّد أحمد ـ وحده ـ بالطعن فيه بالكذب، مع أنّه طعن غير مقبول، لأنّه فسّره بالتفرّد ورواية الغرائب، وهذا لا يدلّ على الكذب عند المحقّقين من أهل هذه الصناعة.

أمّا هؤلاء: فقد جرحهم بالكذب عددٌ غير يسيرٍ من الأئمّة.

فتصحيح حديثه لا يكون أغرب وأعجب من تصحيح الشيخين لحديث إسماعيل ابن أبي أُويسٍ.

(59) تهذيب التهذيب 1/ 218.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت