وهذا فيما إذا تفرّد بحديثٍ، أمّا إذا ورد حديثه من طرقٍ أخرى ثابتةٍ، فصحّة حديثه لا يشكّ فيها طالبٌ مبتدىء، فلا يتمسّك بقول أحمد في حقّ الحمّانيّ إلّا جاهل.
والذهبيّ ـ الذي يتمسّك بأدنى جرحٍ قيل في راوٍ شيعيّ، فيحمل به عليه ـ لم يلتفت إلى قول أحمد في الحمّانيّ: «إنّه كذّاب» ، وقال في ترجمته من «الميزان» [60] : ووقع لي من عالي حديثه، ثمّ أسند من طريقه حديثه: (لا تكذبوا عَلَيَّ) وقال: هذا حديثٌ متّصل الإسناد، سالمٌ من الضعَفة.
فلم يطلق لفظ الضعف على الحمّانيّ ولا جرى مع أحمد على تكذيبه، مع أنّه قال في ترجمته: إنّه شيعيّ بغيضٌ!! [61]
فظهر بهذا البيان ـ والحمد لله ـ فساد صنيع ابن الجوزيّ في إيراده هذا الحديث في «الموضوعات» واتّباعه لأحمد في تجريح الحمّانيّ بالكذب، ورميه بتوثيق الجمهور له وراء ظهره، وهو دليلٌ واضح على تسرّعه وتساهله في الحكم على الأحاديث بالوضع من غير نظرٍ ولا تحقيقٍ.
الأمر الثاني: الذي تُكُلِّم بسببه في الحمّانيّ: كونه شيعيًّا، وقد قدّمنا في الكلام على حديث ابن مسعودٍ أنّ التجريح بهذا مردود غير مقبول، وأنّ المدار على ضبط الراوي وعدالته لا غير؛ فإذا ثبتا فالنظر إلى غيرهما تعسّف.
وأمّا يزيد بن أبي زيادٍ الذي نقل فيه ابن الجوزيّ عن النسائيّ: أنّه متروك، فروى له البخاريّ في (التاريخ) ومسلم في (صحيحه) مقرونًا، والأربعة، وحسّن الترمذيّ حديثه، وقال أبو زرعة: ليّن يكتب حديثه ولا يحتجّ به، وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ، وقال الآجُري عن أبي داود: لا أعلم أحدًا ترك حديثه، وغيره
(60) ميزان الاعتدال 4/ 392 ـ 393.
(61) ميزان الاعتدال 4/ 392.