فهرس الكتاب
ووجه ثالث: أنه عُلم من عادة المنافقين ومعاندي المشركين وضعفة القلوب والجهلة من المسلمين نفورهم لأول وهلةٍ ، وتخليط العدوِّ على النبي - صلى الله عليه وسلم - لأقل فتنة ، وتعييرهم المسلمين والشّمات بهم الفينة بعد الفينة ، وارتداد من في قلبه مرضٌ ممن أظهر الإسلام لأدنى شبهة ، ولم يحكِ أحدٌ في هذه القصة شيئًا سوى هذه الرواية الضعيفة الأصل ، ولو كان ذلك لوجدت قريش بها على المسلمين الصولة ، ولأقامت بها اليهود عليهم الحجة ، كما فعلوا مكابرة في قصة الإسراء حتى كانت في ذلك لبعض الضعفاء ردّة ، وكذلك ما روى في قصة القضية [1] ، ولا فتنة أعظم من هذه البيِّنة لو وُجدت ، ولا تَشْغِيْبَ للمعادي حيئنذ أشدّ من هذه الحادثة لو أمكنت ، فما روي عن معاند فيها كلمة ، ولا عن مسلم بسببها بنتُ شفة [2] ، فدل على بطلها واجتثاث أصلها.
ولا شك في إدخال بعض شياطين الإنس أو الجن هذا الحديث على بعض مغفّلي المحدثين ليلبِّس به على ضعفاء المسلمين .
ووجه رابع: ذكر الرواة لهذه القضية أن فيها نزلت: [3] .
وهاتان الآيتان يرُدّان الخبر الذي رووه ؛ لأنّ الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه حتى يفتري ، وأنّه لولا أن ثبّته لكاد يركن إليهم .
فمضمون هذا ومفهومه أن الله تعالى عصمه من أن يفترى ، وثبته حتى لم يركن إليهم قليلًا ، فكيف كثيرًا ! وهم يروون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون والافتراء بمدح آلهتهم ، وأنه قال - صلى الله عليه وسلم -:"افتريت على الله ، وقلت ما لم يقل"، وهذا ضد مفهوم الآية ، وهي تُضْعف الحديث لو صح ، فكيف ولا صحة له .
وهذا مثل قوله تعالى في الآية الأخرى: [4] .
(1) المراد بها صلح الحديبية .
(2) أي: كلمة .
(3) سورة الإسراء: الآية 73 .
(4) سورة النساء: الآية 113 .