لكن الجواب المحقق في ذلك أن الله تعالى لم يقل: إن الإنسان لا ينتفع إلا بسعي نفسه وإنما قال: فهو لا يملك إلا سعيه ولا يستحق غير ذلك ، وأما سعي غيره فهو له كما أن الإنسان لا يملك إلا مال نفسه ونفع نفسه , فمال غيره ونفع غيره هو كذلك للغير ; لكن إذا تبرع له الغير بذلك جاز ، وهكذا هذا إذا تبرع له الغير بسعيه نفعه الله بذلك كما ينفعه بدعائه له والصدقة عنه وهو ينتفع بكل ما يصل إليه من كل مسلم سواء كان من أقاربه أو غيرهم كما ينتفع بصلاة المصلين عليه ودعائهم له عند قبره" [1] ."
وقال - رحمه الله -:"ظن قوم أن انتفاع الميت بالعبادات البدنية ينافي قوله: فليس الأمر كذلك ; فإن انتفاع الميت بالعبادات البدنية من الحي بالنسبة إلى الآية كانتفاعه بالعبادات المالية ، ومن ادعى أن الآية تخالف أحدهما دون الآخر فقوله ظاهر الفساد ؛ بل ذلك بالنسبة إلى الآية كانتفاعه بالدعاء والاستغفار والشفاعة ، وقد بينا في غير هذا الموضع نحوًا من ثلاثين دليلًا شرعيًا يبين انتفاع الإنسان بسعي غيره ; إذ الآية إنما نفت استحقاق السعي وملكه ; وليس كل ما لا يستحقه الإنسان ولا يملكه لا يجوز أن يحسن إليه مالكه ومستحقه بما ينتفع به منه ، فهذا نوع وهذا نوع ، وكذلك ليس كل ما لا يملكه الإنسان لا يحصل له من جهته منفعة ; فإن هذا كذب في الأمور الدينية والدنيوية" [2] .
الدراسة:
اختلف المفسرون في المراد بهذه الآية على أقوال ثمانية:
القول الأول: أن الإنسان لا يملك إلا سعي نفسه ، وأما سعي غيره فهو لصاحبه ، لكنْ إذا تبرع له به جاز ، وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام كما تقدم ، وهو رأي ابن عطية حيث قال:"والتحرير عندي في هذه الآية أن ملاك المعنى هو في اللام من قوله:"
(1) مجموع الفتاوى 24/366 .
(2) مجموع الفتاوى 18/143 ، وانظر: 7/499 ، والروح لابن القيم ص157 .