فهرس الكتاب
-تعالى - قد جعل في قلوبهم الرّأفة والرحمة ، والرهبانية المبتدعة ، ويكون هذا جعْلًا خَلْقيًا كونيًا ، والجعل الكوني يتناول الخير والشر ، كقوله تعالى: [1] ، وعلى هذا القول فلا مدحَ للرهبانية بجعلها في القلوب ، فثبت على التقديرين أنه ليس في القرآن مدح للرهبانية ، وقوله: أي: لم يكتب عليهم إلا ابتغاء رضوان الله ، وابتغاء رضوان الله بفعل ما أمر به ، لا بما يُبتدع ، وهذا الاستثناء منقطع كما في قوله تعالى:
[2] وهذا أصح الأقوال في الآية .
ولا يجوز أن يكون المعنى: أن الله كتبها عليهم ابتغاء رضوان الله ، فإن الله لا يفعل شيئًا ابتغاء رضوان نفسه ، ولا أن المعنى أنهم ابتدعوها ابتغاء رضوانه كما يظن هذا ، وهذا بعض الغالطين ، ثم بيَّن أن جَعْل الجَعْل في الآية شرعيًا محمودًا غلط لوجوه:
منها: أن الرهبانية لم تكن في كل من اتِّبعه ، بل الذين صحبوه لم يكن فيهم راهب ، وإنما ابتُدعت الرهبانية بعد ذلك [3] ، بخلاف الرأفة والرحمة فإنها جعلت في قلب كل من اتبعه .
ومنها: أنه أخبر أنهم ابتدعوا الرهبانية بخلاف الرأفة والرحمة فإنهم لم يبتدعوها ، وإذا كانوا ابتدعوها لم يكن قد شرعها لهم .
ومنها: أن الرأفة والرحمة جعلها في القلوب ، والرهبانية لا تختص بالقلوب ، بل الرهبانية: ترك المباحات من النكاح واللحم وغير ذلك ، وقد بيَّنت النصوص الصحيحة أن الرهبانية بدعة وضلالة ، وما كان كذلك لم يكن هدى"."
ثم ذكر قول من قال: إنهم لّما ابتدعوها كُتب عليهم إتمامُها ، ورده بقوله:"وليس في الآية ما يدل على ذلك ، فإنه قال: فلم يذكر أنه كتب عليهم نفس الرهبانية ، ولا إتمامها ولا رعايتها ، بل أخبرهم أنهم ابتدعوا بدعة ، وأن تلك البدعة لم يرعوها حق رعايتها ."
(1) سورة القصص: الآية 41 .
(2) سورة النساء: الآية 29 .
(3) انظر: تفسير ابن جرير 11/690 .