قال النحاس:"والمعنى فستعلم وسيعلمون بأيكم الفتنة ، والمفتون بمعنى الفتنة والفتون ، كما يقال: ليس له معقول ولا معقود رأي ، وهذا من أحسن ما قيل فيه" [1] ، واختاره أيضًا الواحدي في الوجيز [2] ، وابن الأنباري [3] .
وقد ضعَّف هذا شيخ الإسلام كما تقدم ، وبيَّن أنه لا أصل له في اللغة ، ولو صح لم يكن قياسًا ، بل مقصورًا على السماع .
قال ابن عاشور:"والباء على هذا للملابسة في محل خبر مقدم على وهو مبتدأ يُضَمَّن فعلُ ( تبصر ويبصرون ) معنى: تُوقن ويوقنون ، على طريق الكناية بفعل الإبصار عن التحقق ؛ لأن أقوى طرق الحس حاسة البصر ، ويكون الإتيان بالباء للإشارة إلى هذا التضمين" [4] .
قال ابن القيم بعد أن ذكر هذه الأقوال:"وهذه الأقوال كلها تكلُّف ظاهر لا حاجة إلى شيء منه ، و ( ستبصر ) مُضمّن معنى تَشْعُر وتَعْلَم ، فَعُدِّي بالباء كما تقول: ستشعر بكذا وتعلم به ، قال تعالى: [5] ، وإذا دعاك اللفظ إلى المعنى من كان قريب فلا تجب من دعاك إليه من مكان بعيد" [6] .
الوجه الرابع: قول شيخ الإسلام: أيُّكم هو المجنون الذي به المَفْتُون ، وهو الشيطان .
والأظهر - والله تعالى أعلم - أن المراد بـ المجنون ، كما ذهب إلى ذلك جمهور المفسرين ، وممن اختار ذلك السمرقندي [7] ، الواحدي في الوسيط [8] ، والزمخشري [9] ، وأن معنى قوله تعالى: في أي الفريقين منكم يوجد المجنون ؛ لأن الباء تأتي بمعنى ( في ) ، ولورود القراءة التي تؤيده ، ولأنه أقل تكلفًا من الأقوال الأخرى كما ذكر ابن عطية .
سورة القلم: الآية 42
(1) إعراب القرآن 5/7 .
(2) الوجيز للواحدي 2/1121 .
(3) البيان 2/453 .
(4) التحرير والتنوير 29/67 .
(5) سورة العلق: الآية 14 .
(6) التبيان في أقسام القرآن ص136 ، وتوجيهه للآية بمعنى قول ابن كثير المتقدم ذكره .
(7) تفسيره 3/392 .
(8) الوسيط 4/335 .
(9) الكشاف 4/126 .