فهرس الكتاب
فنفى الفعل قال: ، ثم لما زاد النفي بنفي جواز ذلك وبراءة النفس منه ذكر ما يدل على كراهته له وقبحه ونفى أن يعبد شيئًا مما عبدوه ولو في بعض الزمان قال: بل أنتم بريئون من عبادة ما أعبده ، فليس لبراءتي وكمال براءتي وبعدي من معبودكم وكمال قربي إلى الله في عبادتي له وحده لا شريك له يكون لكم نصيب من هذه العبادة ؛ بل أنتم أيضا في هذه الحال لا تعبدون ما أعبد ، لا في الحال الأولى ولا في الثانية ، ولو اقتصر في تبريهم من عبادة الله على الجملة الأولى لم يكن فيها تبرئة لهم في هذه الحال الثانية ، فبرأهم من معبوده حين البراءة الأولى الخاصة وحين البراءة الثانية العامة القاطعة ، وهم لم يختلف حالهم في الحالين بل هم فيهما لا يعبدون ما يعبد ، فلم يكن في تغيير العبارة فائدة وإنما غيرت العبارة في حقه وحق المؤمنين لتغيير المعنيين ، والإنسان يقوى يقينه وإخلاصه وتوحيده وبراءته من الشرك وأهله وبغضه لما يعبدون ولعبادتهم فرفع درجته في ذلك ، وهو في ذلك يقول للكفار: ( لا تعبدون ما أعبد ) في هذه الحال سواء كانوا هم قد زاد كفرهم وبغضهم له أو لم يزد ، فالمقصود بالسورة أن المؤمن يتبرأ منهم ويخبرهم أنهم برآء منه ، وتبريه منهم إنشاء ينشئه كما ينشئ المتكلم بالشهادتين ، وهذا يزيد وينقص ، ويقوى ويضعف ، وأما هم فهو يخبر ببراءتهم منه في هذه الحال لا ينشئ شيئًا لم يكن فيهم ، فخطاب المؤمن عن حالهم خبر عن حالهم والخبر مطابق للمخبر عنه فلم يتغير لفظ خبره عنهم إذا كانوا في كل وقت من أوقات عبادته لله لا يعبدون ما يعبد ، فهذا اللفظ الخبري مطابق لحالهم في جميع الأوقات زادوا أو نقصوا ، ولا يجوز للمؤمن أن ينشئ زيادة في كفرهم فإن ذلك محرم ، بل هو مأمور بدعائهم إلى الإيمان ، وليس له أن ينقصهم في خبره عما هم متصفون به" [1] ."
(1) مجموع الفتاوى 16/534 - 601 .