وكان أعيان الفقهاء القدماء يميزون مثل هذه المعاني أكثر من المتأخرين، وأرجعوا العز الذي عرفه صدر الإسلام إلى وجود الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمن ثم قالوا إنه (هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين، ولو طوى بساطه وعمله لتعطلت النبوة، واضمحلت الديانة، وعمت الفترة، وفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، واتسع الخرق، وخربت البلاد وهلك العباد، ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد، وقد كان الذي خفنا أن يكون، فإنا لله وإنا إليه راجعون، إذ قد أندرس من هذا القطب عمله وعلمه) (1) .
قال ذلك الغزالي رحمه الله.
فللذي رآه، فتش عن المخرج والمستدرك فلم يجد إلا أسلوب الطلائع، وراح يحلي الأجر لمن يكون طليعة، ويحكر له درجات القرب، ويرفع الأبصار إلى ذراها، ويصيح أن أيها الناس:
(من سعى في تلافي هذه الفترة، وسد هذه الثلمة، إما متكلفلا بعملها، أو متقلدا لتنفيذها، مجددًا لهذه السنة الدائرة، ناهضا بأعبائها، ومتشمرًا في إحيائها: كان مستأثرا من بين الخلق بإحياء سنة أفضى الزمان إلى إماتتها، ومستبدًا بقربة تتضاءل درجات القرب دون ذروتها) (2) .
وأما الذي قررناه من أمر الهجرة فقد سبق إليه الصحابة رضي الله عنهم.
قال ابن تيمية:
(قال أبو هريرة: لأن رابط ليلة في سبيل الله أحب إلى من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود. ولهذا كان أفضل الأرض في حق كل إنسان:
أرض يكون فيها أطوع لله ورسوله، وهذا يختلف باختلاف الأحوال، ولا تتعين أرض يكون مقام الإنسان فيها أفضل، وإنما يكون الأفضل في حق كل إنسان بحسب التقوى والطاعة والخشوع والخضوع والحضور، وقد كتب أبو الدرداء إلى سلمان: هلم إلى الأرض المقدسة ! فكتب إليه سلمان:
(1) إحياء علوم الدين2/306.
(2) إحياء علوم الدين 2/306.