الصفحة 114 من 168

كان حرًا، لكنه كان فردًا، ولذلك لم يأب الهجرة، أما الإمام أحمد بن حنبل، فكان في تلك الأزمة حرًا داعية، ولذلك أبي الهجرة وأقام ببغداد، ورفع الراية، فكان الثبات، والتثبيت، فهزم جمع البدعة.

وهكذا شان الحر الداعية دومًا، يصبر على العيش والمقام في بلده، ليلتقط من مجتمع مستخذ فتيانا صباح الوجوه، لم يصب قلوبهم وأبدانهم شيء من دنس الجاهلية وأمراضها وحرامها، ويربيهم ويغرز فيهم عزة الإسلام، ويجعلهم صفوفًا.

نعم، في المجتمع المستخذي الذي طال خضوعه للطغيان، تجد(النفس تميل إلى الإسفاف، وتخلد إلى الراحة، وتهوى الهين من كل أمر.

ولكن في النفس -على هذا- نزوعا إلى العلاء، وشغفا بالارتقاء، وحنينا إلى المكارم، وشوقا إلى العظائم.

إن فيها لجمرة يغطيها الرماد، وشرارة يقدحها الزناد، فإن وجدت نافخا في جمرها وقادحا لشرارها: استيقظت، وتحفزت، وعملت، وصعدت. وكلما ذاقت لذة العمل والرقي زادت حبا له، وهياما به) (1) .

ولهذا فإن المهاجر مخطئ، إلا هجرة صاحب سر يخشى عليه، أو هجرة صاحب فقه إلى من يحتاج إليه، أو هجرة من يخشى الفتنة في دينه.

أما السكوت فأبعد عن الصواب، (والذين يبصرون بالظلم في كل طريق، ويلتقون بالبغي في كل ثنية، لا يحركون يدًا ولا لسانًا، وهم قادرون على تحريك اليد واللسان أولئك لم يعمر الإسلام قلوبهم، فلو عمرها لانقلبوا مجاهدين) (2) .

ومن هاهنا لا يكون المؤمن العامر القلب إلا متحركا محركًا، أما المتباطئ الذي يعد بالالتحاق بعدما تظهر بوادر النجاح فإنما يعد وعد الضعاف.

صاح ما الحر من يثور على الظلـ

ــم وقد ثارت لحقها الأقوام

إنما الحر من يسير إلى الظلـ

ــم فيصميه والأنام نيام (3)

إنما تقدسنا الدعوة

(1) الشوارد لعزام /353.

(2) دراسات إسلامية لسيد قطب/29.

(3) ديوان المثاني لعزام/80.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت