الصفحة 113 من 168

(لا يخدعنكم الفساد الظاهر والشر المستشري، ولا يهولنكم ذكر فلان وفلان من المفسدين، ففي الأمة أخيار أكثر ممن تعدون من الأشرار، ولكنها راية رفعت للشر فأوى إليها أشرارها، وهرع نحوها أنصارها، ونفر منها الأخيار فلم ينحازوا إليها، ولم نسمع أصواتهم حولها، ولو رفعت للخير راية لانحاز إليها الأخيار وحفوا بها وسكنت أمة الأشرار وقل جمعهم وخفت ذكرهم.

إن في الأمم خيرا وشرًا، وفسادًا وصلاحًا، ومفسدين، فإن رفعت راية للخير انضوى إليها الأخيار في كل طائفة، وغلب بها الخير في الأنفس التي يغلب شرها خيرها، ونبت خير في نفوس لا خير فيها، فإن الإنسان لا يخلو -وإن عظم شره واستشرى داؤه- من نزعة للحق كامنة، وعاطفة للخير مستسرة) (1) .

وهذا الكلام من الحق والصواب الظاهر.

وكثير من أهل الخير إنما وقعوا في الأوهام من هاهنا، رأوا ضخامة الفساد في بلادهم، وتغير الموازين والمقاييس، وتسلط الأشرار، فظنوا أن الأمر قد فلت، واستحكم الكفر، واختاروا إما السكوت وإما الهجرة إلى بلد أخف شرًا يتعطلون فيه.

الهجرة المفضولة

وقبل، حين استحكم أمر الجهمية والمعتزلة والشعوبية أيام المأمون والمعتصم، والواثق، ووسدت الأمور إلى غير أهلها، تألم القائد العربي الغيور أبو دلف القاسم العجلي، وكان من كبار أهل الخير، صحيح العقيدة، ظاهر النبل، مناهضا للشعوبية التي يرعاها بعض القادة، فاندفع يقول:

ومقام الكريم في بلد الهون

إذا أمكن الرحيل محال

حيث لا رافعا لسيف من الضيم

ولا للكماة فيها مجال

في بلاد يذل فيها عزيز القوم

حتى يناله الأنذال (2)

ثم هاجر في معسكره بمدينة الكرخ التي تقع أطلالها اليوم على الطريق الذاهب من العراق إلى خراسان، قبيل كرمانشاه، وهي غير الكرخ المعروفة ببغداد.

(1) الشوارد لعبد الوهاب عزام/173.

(2) كتاب (بغداد) لابن طيفور/133.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت