الصفحة 117 من 168

لكنك أيضًا، بازاء هذه الظاهرة، تجد أن الله سبحانه يلهمهم بلاغة وفصاحة غير اعتيادية، يتاح لهم بها أن يوجزوا ويجمعوا مذهبهم في الدعوة في بضع كلمات قليلات تكون لأجيال الدعاة الآتية من بعدهم أصلا فقهيا مهما، ومعلما بارزًا من معالم الطريق، ويكون قائلها أستاذًا في الدعوة.

قد لا تتعدى كلماتهم الأسطر، لكنها تكتسب أهميتها من كونها تقيم علاقة وارتباطًا بين جزئيات إسلامية على وجه يضخم حجم هذه الجزئيات تضخيمًا تغدو به عظيم الأثر.

مثلما في ذلك مثل الأعداد المجردة، ليست تحمل من القيمة المجردة إلا قليلا، ثم أتي علماء الرياضيات وتمكنوا من إقامة إشكال من العلاقات المختلفة بين هذه الأعداد في معادلات رياضية كشفت لهم أسرار الطاقات واستخدامها، حتى أن آينشتين قد كشف على الورق المجرد، بالقلم المجرد، في أرقام مجردة، سر الطاقة الذرية، وكيفية إخراجها من مكمنها إلى مجالات الاستخدام.

وكذلك هؤلاء الدعاة، أقاموا أشكالا من العلاقات بين الآداب والأوامر الإسلامية كشفت عن درب واسع لمن يريد أن يسير، وحددت العوامل الحاسمة ونقاط التأثير، ودللت على ما منحهم الله تعالى من عميق الوعي، وما اكتسبوه من طويل التجربة.

ولكن كما أن معادلات الأرقام لا يفهمها إلا رياضي تأمل وحلل، فإن معادلات الدعوة لا يفهمها، ولا يدرك قيمتها إلا داعية ذاق وتحمل، ويظل بمنأى عنها وعن فقهها من قبع وتعلل.

إنكار المنكر دليل الفراسة

من هؤلاء الدعاة لبيب من الفحول، تدل المعادلة التي وضعها على كمال عقله، ونفاذ بصره، لكنه مغمور مجهول، اسمه أبو بكر بن يزداينار، رحمه الله.

سئل عن الفراسة الإيمانية ما هي؟ فقال:

(نظر الصالح، بالصلاح الذي فيه نور التقي والإيمان والحقائق والصدق، بالزهد في الدنيا، والرغبة في العقبة، فينكر على أهل المنكر منكرهم) .

فانظر المعنى الكبير في هذا المتن الصغير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت