فهو قد جعل الفراسة شدة يقين الداعي إلى الله بثوابه يوم القيامة، ومعرفته تفاهة هذه اللذات الدنيوية المحدودة المقطوعة الممنوعة، فيحمل نفسه على تغيير المنكر، ومنازعة أهل المنكر بشجاعة يمدها إياه هذا اليقين.
ووالله إنها لفراسة عالية تصغر عندها كل فراسة أخرى مهما كانت صادقة.
وانظر العناصر الأربعة التي تجتمع فتكون الصلاح الذي يدفع بصاحبه إلى صيحة الحق.
تقوى: تلبي الأمر، وتقف عند الشبهة.
وإيمان: يرى به من اليقين الأخروي ما يحجب عن أموات القلوب.
وحقائق: يعيش معها صاحبها حياة الواقع، لا أوهام الدنيا القصرة الزائلة.
وصدق القلب في ظنه، واللسان في نطقه.
وانظر دقة اتجاه إنكاره وشموله.
إنه لا ينكر المنكر فحسب، بل ينكر على أهل المنكر منكرهم.
أي أنه لا يعرف التعميم، ولا التورية.
إنه يمد إصبعه يشير إلى الطاغوت بالاتهام، ويرفع صوت يعلن فضيحة الكفر الذي أمامه، باسمه، ورقمه وعنوانه، ثم لا تلبث الإصبع الواحدة حتى تنفتح معها بقية الخمس، فتكون يد التغيير من بعد إصبع الاتهام.
ثم انظر الربط الرائع بين المقدمات الست في طرف المعادلة الأول، وبين التخصيص في الطرف الثاني: ينكشف لك طريق استخدام الطاقة الإسلامية في الحياة البشرية وإسالتها من ينبوعها لتروى ظمأ المتعطشين.
إنها طاقات كالطاقات.
إنها مثل الضوء، والحرارة، والكهرباء. وكما خلق الله سبحانه وتعالى هذه الطاقات في الكون، وأتاح من علماء الرياضيات والفيزياء من يكشف أسرارها، ويذللها لخدمة الإنسان، فإنه سبحانه أنزل أيضا هذا القرآن، وجعله من مكملات سنن الكون، وأتاح من الدعاة من يكشف أسراره.
وكما يعهد الرياضي إلى المختبرات والمصانع أن تترجم معادلات وتصميماته إلى أجهزة توضع في الاستخدام، فإن فقهاء الدعوة، من مثل أبي بكر بن يزداينار هذا، يعهدون إلى الحركات المنظمة أن تترجم معادلاتهم إلى عمليات تصحيحية لتخبطان الإنسان.