فمن ذا الذي يستهين بهذه التبعية؟ وهي تبعة تقصم الظهر وترعد الفرائض وتهز المفاصل؟) (1) .
هو شأن الرجال
فكذلك هو الأمر الواقع.
الإسلام هو الإسلام، لا زال مستعدًا أن ينهي شقاء البشر، ولكن تبليغ هذا الإسلام والقيام به هو الذي ضعف، ولذلك (كان بعض السلف الصالح يقول: يا له من دين لو أن له رجالا) (2) .
الرجال الذين هم بمستوى هذا الإسلام في شموله.
وهذا الواحد المتأسف إنما كان في عصر السلف، أي أنه كان يري أمامه جحافل فقهاء الفروع، وجحافل الزهاد، لكنهم لم يكونوا ليملأوا نظره.
كان يريد آخرين، الفقه والزهد من صفاتهم، لكن يذهبون إلى مرحلة أبعد.. يريدهم دعاة، همهم هداية الخلق، وإنفاذ حكم الله، والإنكار على من يحكم الناس بهواه، وهي مرحلة لا يبلغها إلا من أوتى من أخلاق الرجولة مقدارًا، ويأنف من كان رجلا أن يقف دونها، مهادنا ومصالحًا، أو مكتفيا بالتوريات، وذلك لما قيل لأحد فحول الرجال: (لنا حويجة) ، تصغير حاجة، أي جئناك تقضيها لنا، أبي وقال:
(أطلبوا لها رجيلا) (3)
فالرجيل تشبع نفسه بعمل اليسير.
أما هو فهمته عالية، فقد رصد نفسه لضخام الأعمال، ويأنف من صغارها.
وإن هذه الدعوة والله لهي شأن الرجال حقا، الذين يضم سربهم كل مقدام.
أما أهل الحذر والهلع من الصدام وعقباته، فليس فيهم إلا رويجل.
فعند الرجال، لا يكون الخوف إلا من الغفلة، كما قال العمري الزاهد:
(إن من غفلتك عن نفسك، وإعراضك عن الله، أن ترى ما يسخط الله فتتجاوزه، ولا تأمر فيه ولا تنهي عنه، خوفا ممن لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعا) (4) .
(1) في ظلال القرآن 6/31.
(2) مفتاح در السعادة لابن القيم 1/302.
(3) صيد الخاطر لابن الجوزي/251 طبعة الغزالي.
(4) الجواب الكافي لابن القيم/44.