(إنه الأمر الهائل العظيم، أمر رقاب الناس. أمر حياتهم ومماتهم. أمر سعادتهم وشقائهم. أمر ثوابهم وعقابهم. أمر هذه البشرية، التي إما أن تبلغ إليها الرسالة فقبلها وتتبعها فتسعد في الدنيا والآخرة، وإما إلا تبلغ إليها فتكون لها حجة على ربها، وتكون تبعة شقائها في الدنيا وضلالها معلقة بعنق من كلف التبليغ فلم يبلغ.
فأما رسل الله عليهم الصلاة والسلام فقد أدوا الأمانة وبلغوا الرسالة، ومضوا إلى ربهم خالصين من هذا الالتزام الثقيل، وهم لم يبلغوها دعوة باللسان، ولكن بلغوها -مع هذا- قدوة ممثلة في العمل، وجهادًا مضنيا بالليل والنهار لإزالة العقبات والعوائق، سواء كانت هذه العقبات والعوائق شبهات تحاك، وضلالات تزين، أو كانت قوة طاغية تصد الناس عن الدعوة وتفتنهم، كما صنع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خاتم النبيين.
وبقي الواجب الثقيل على من بعده، على المؤمنين برسالته، فهناك أجيال وراء أجيال جاءت وتجئ بعده ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتبليغ هذه الأجيال منوط بعده بأتباعه، ولا فكاك لهم من التبعة الثقيلة -تبعة إقامة حجة الله على الناس، وتبعة استنفاذ الناس من عذاب الآخرة، وشقوة الدنيا- إلا بالتبليغ والأداء، على ذات المنهج الذي بلغ به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأدى. فالرسالة هي الرسالة، والناس هم الناس، وهناك ضلالات، وأهواء وشبهات، وشهوات، وهناك قوى عاتية طاغية تقوى دون الناس، ودون الدعوة، وتفتنهم كذلك عن دينهم بالتضليل، وبالقوة.
الموقف هو الموقف، والعقبات هي العقبات، والناس هم الناس، ولا بد من بلاغ، ولا بد من أداء. بلاغ بالبيان، وبلاغ بالعمل حتى يكون المبلغون ترجمة حية واقعة مما يبلغون.
إنه الأمر المفروض الذي لا حيلة في النكوص عن حمله، وإلا فهي التبعة الثقيلة، تبعة ضلالة البشرية كلها، وشقوتها في هذه الدنيا، وعدم قيام حجة الله عليها في الآخرة، وحمل التبعة في هذا كله، وعدم النجاة نم النار.