الصفحة 121 من 168

والنهي عن المنكر يجب أن يتجه أولا إلى النهي عن المنكر الأكبر، وهو حكم الطاغوت وتعبيد الناس عن طريق حكمهم بغير شريعة الله. والذين آمنوا بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ هاجروا وجاهدا ابتداء لإقامة الدولة المسلمة الحاكمة بشريعة الله، وإقامة المجتمع المسلم المحكوم بهذه الشريعة، فلما تم لهم ذلك كانوا يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر في الفروع المتعلقة بالطاعات والمعاصي، ولم ينفقوا قط جهدهم، قبل قيام الدولة المسلمة، والمجتمع المسلم في شيء من هذه التفريعات التي لا تنشأ إلا بعد قيام الأصل الأصيل! ومفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا بد أن يدرك وفق مقتضى الواقع، فلا يبدأ بالمعروف الفرعي والمنكر الفرعي قبل الانتهاء من المعروف الأكبر والمنكر الأكبر، كما وقع أول مرة عند نشأة المجتمع المسلم) (1) .

لا يعني ذلك أن يمتنع الدعاة عن تعليم أنفسهم وتعليم من معهم آداب الإسلام وأحكام العبادات، ولا النهي عن منكر فرعي يمكن إزالته بهذا النهي، لكنها دعوة واضحة لعدم خداع النفس وتلهيتها بالاكتفاء بالنهي عن المنكرات الصغيرة والعزوف عن منكر الحكم بغير الإسلام، والقناعة برتبة الوعظ في مباحث إزالة النجاسة وسجود السهو دون الجهر بالحق، والإشارة إلى الطاغوت، وتجميع المسلمين، وتربيتهم، وتنسيق جهودهم وتوجيهها للنهضة الشاملة.

لقد أرسل الله تعالى نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليحرر الناس (ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) ، وإنها أغلال أي أغلال، ثم أعاد اليهود هذه الإنسانية إلى عذابها وأغلالها مرة أخرى بهذه الأحزاب التي زرعوها في كل مكان. ولا بد أن تقوم نهضة إسلامية لتضع هذا الأغلال عن المغلولين، وترفع هذا الحرج والضيق الذي يرهق أبناء المسلمين.

(1) في ظلال القرآن 11/50.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت