ولهذا، فإن عرض الأقوال المتشابهة التي فاه بها السلف والخلف نم فقهاء الأمة، وإن كان يكرر المعنى والمبنى، فإنه من جانب آخر ينبه على وحدة المنهج والفهم والأداء، وإبراز الوحدة بحد ذاته عنصر يجب على بحوث فقه الدعوة أن تحرص عليه، لما يتضمنه من الإشارة إلى أصالة الخلف، وعراقة مذهبه.
صراحة الإسلام لا استفزاز الظروف
فانظر من قول السلف الأول القديم مثالا:
قالوا: (سئل حذيفة رضي الله عنه عن ميت الأحياء، فقال: الذي لا ينكر المنكر بيده ولا بلسانه ولا بقلبه) (1) .
وانظر معه تعابير سيد قطب في وصف من لا ينكر.
هل تستطيع بعد النظر أن تقر من يطيل لسانه على حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ويتهمه بأن كلماته وليدة استفزازات الظروف الصعبة التي كان يعيشها؟
إنه يصف غافل القلب الأخرس بالموت.
فإن تنبه قلبه وظل صامتًا، فإن حاله عند حذيفة يقتضي أن نصفه بالمرض الشديد، والشلل القريب من الموت.
وما زادت تعابير سيد والمعاصرين فيما يظن أنه من عنف التعبير على حروف حذيفة.
إنه ليس من إفراط في حماسة الدعاة، بل هو وضوح الدعوة الذي يفرض نفسه، ولذلك نرى المعتنق لها بصدق سرعان ما ينشأ نشأة أخرى غير التي كان عليها تماما، وتتحور مفاهيمه، ويخرج من صومعته ليقود الناس، كالذي كان من أمر التابعي وهب بن منبه اليماني، عرفه اليمن راهبا معنيا بسجع الرهبان وعلوم أهل الكتاب المحرفة، فلما أسلم وسئل عن صفه المسلم قال: (يقتدي بمن قبله، وهو إمام لمن بعده) (2) .
(1) إحياء علوم الدين 2/311.
(2) كتاب الزهد للإمام أحمد/372.