الصفحة 140 من 168

وما أكثر ما يقال مثل هذا للدعاة اليوم، وما أكثر من يفهم الإسلام ثم يحدث نفسه بمثل هذا، فيجبن وينزوي ولا يشارك الدعاة سيرهم، وإنما هو حديث من استراح، كما يقول الإمام أحمد، وأما من ذع واقع الإسلام قلبه فأني له الراحة؟ وأني يدع لصبيانه وزوجه مجال تخذيله وتقييده عن الاندفاع مع الدعاة؟ وهل الموت إلا في آجال؟

هذا داعية المنصورة بمصر صلاح الشربيني رحمه الله، لم يمته رصاص الإنكليز لما قاتلهم على قناة السويس، ولكنه مات على سرير مستشفي بعد أيام الحج بمكة.

وهذا داعية البصرة قيس القرطاس رحمه الله، لم يمته عذاب السجن، الرهيب، ولكنه مات مخنوقا بالغاز ي حمام بعد خروجه من السجن بأيام.

وهذا داعية غزة عمر أبو جبارة رحمه الله، صاحب الدعوة منذ صباه ودخل السجن فلم يمته تعب البذل اليومي ومات من سقطة بسيطة.

وإن عهد الدعوة لن يقدم أجلا، ولكنه يرفع إلى الفراديس. فإن لم يكن المسلم مع أحمد، أو مع ورثة أحمد اليوم، وقعد لعذر أو شبه عذر، فإنه مطالب بالأسف وازدراء نفسه على الأقل، ألا يكون مع القوم العاملين، كما قيل للزاهد الثقة بشر بن الحارث الحافي يوم تعذيب أحمد:

(قد ضرب أحمد بن حنبل إلى الساعة سبعة عشر سوطًا

فمد بشر رجله، وجعل ينظر إلى ساقيه ويقول:

ما أقبح هذا الساق أن لا يكون القيد فيه نصرة لهذا الرجل) (1) .

مع أنه شهر وأذاع حبه لأحمد، لكن الخليفة تركه لشهرته بالزهد وحب العامة له، وخاف أن يوسع دائرة النقمة عليه.

فالمؤمن الصادق إن عذر نفسه وأفتاها بالتخلف، لنوع ضرورة أو ضعف يدريه من نفسه أو شبهة: عرف ما يوجبه ذلك من التواضع وترك التطاول على الدعاة، ويظل يتهم نفسه في اجتهاده، ويمنح الصابرين المقتحمين لسانا جميلا يكون لهم فهي نوع سلوة وراحة. وأما أسير هواه فيجادل ويثرثر، ويقذف لسانه بكل لفظ صلب، ألا يوصف بتخلف، فيجمع بجدالة نقصا إلى نقص، والعياذ بالله.

(1) مناقب أحمد، لابن الجوزي/119.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت