الصفحة 139 من 168

وفي التوسط: إنفاق النفس).

وهذا يقتضي أن تكون هناك نهاية أيضا، وأن يكون في النهاية ما هو أكبر من إنفاق النفس، ولم يذكره، لكن الدعاة، يميزونه في صورة لعلها هي (إنفاق ما بعد النفس) وأظنها صورة الشوق الشديد إلى الحوريات السبعين، فهو اجتماع الشوق بدرجة تنسى الداعية طعم الراحة، ولذة الطعام، وأنس الزوجة، وتجعله هائما راكضا بلا التفات.

ومن هذا الوصف القديم للمرحلية، الذي جاء على لسان الواعظ، ومن وجهها الآخر الذي رسمته الاستعدادات الثلاث: يتضح الوصف الحركي الحديث للمرحلية المتدرجة المتناسبة مع القوة والواقع المحيط، المنسابة مع انسيابية سير الحاضر نحو المستقبل، وانسيابية الاقتران الكامن في فقه الدعوة بين تفقهنا الشرعي، وخبرتنا التجريبية.

حديث من استراح

هذا، كما يقول الإمام أحمد، أو هو حديث ذي العقل المستريح.

كان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله داعية نبها يقود تجمع دعاة من أهل التضحية والبذل، وكان يعرف قيمة ثبات الداعية في المحن، وأثر عدم إجابته لما يدعونه إليه من القول بخلق القرآن في تثبيت المسلمين، فمن ثم لم يجد لمن لا يفهم معاني لغة الدعاة واصطلاحات قواميسهم غير اصطلاح:

(أصحاب العقول المستريحة)

إنه لا يكرههم، ولا يزدريهم، بل يحبهم ويحرص عليهم، ويستفيد من خيرهم مهما قل، ولكنه لا يدخلهم صفه ما دامت عقولهم تتمتع بالراحة، ولا تحركها مصائب المسلمين.

قال أحمد بن داود أبو سعيد الواسطي:

(دخلت على أحمد الحبس قبل الضرب، فقلت له في بعض كلامي:

يا أبا عبد الله: عليك عيال، ولك صبيان، وأنت معذور.

كأني أسهل عليه الإجابة:

فقال لي أحمد بن حنبل:

إن كان هذا عقلك يا أبا سعيد فقد استرحت) (1) .

(1) طبقات الحنابلة، لابن أبي يعلي 1/43.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت