قال لي صاحب: أراك غريبا
بين هذا الأنام دون خليل
قلت: كلا، بل الأنام غريب
أنا في عالمين وهذي سبيلي (1)
أما غربة الغرباء الذين ذكروا في الحديث الشريف: (طوبى للغرباء) فهي غربة بالنسبة للواقع، أي لندرتهم وقلتهم بين غثاء ضال، أما في عالم الضمير والشعور فإن للمؤمن الفرد من إيمانه أنيسا ورفيقا وخليلا يبعد الغربة.
ليس علينا غير البلاغ
وهذا التباين في شعور الداعية إلى الإيمان، عن شعور الداعية إلى الباطل: جعل دعاة الباطل في تعب دومًا، وفي تبديل لصور باطلهم حين لا تنطلي على الناس، ويسوغون ذلك بالتطور الفكري والديالكتيك، ويرون -بعلقية تجارية بحتة تضع حساب الأرباح والخسائر المادية فحسب- أن من يتكلم ويكتب لإشاعة فكرة معينة ولا يستجيب له الناس عليه أن يسارع إلى تبديلها بأخرى تجد لها تصريفا. أما الداعية المسلم فهو يعتقد بأن عليه تحري القول الصائب الموافق للشرع، واتباع الأسلوب الملائم حسب اجتهاده، ثم الله هو الذي يتولى ما بعد ذلك، فإن لم يستجب أحد فلحكمه ربانية، ولو شاء الله لهداهم، ولكن كره الله انبعاثهم مع الدعاة، ولا يسع الداعية المسلم إلا الثبات على ما يعتقد.
وبهذا الوعي لهذه الحقيقة الإيمانية أجاب يوسف القرضاوي من اعترض عليه، فقال:
عجبت لهم قالوا: تماديت في المني
وفي المثل العليا وفي المرتقى الصعب
فأفصر ولا تجهد يراعك إنما
ستبذر حبا في ثرى ليس بالخصب
فقلت لهم: مهلا، فما اليأس شيمتي
سأبذر حبي والثمار من الرب
إذا أنا أبلغت الرسالة جاهدًا
ولم أجد السمع المجيب فما ذنبي؟ (2)
وهذا من قوانين الدعوة الإسلامية.
إننا إذا لم نصل إلى ما نبغي ونريد، فحسب عملنا أن يشجع الجيل اللاحق على مواصلة السير، فإن النجاح في الابتداء دليل على إمكان الانتهاء، أو كما يقول الرافعي:
(1) مجلة (المباحث المصرية) عدد 31 لسنة 1951.
(2) وحي القلم 1/21.