بل أبعد من ذلك، فلعلها حكمة الله في انتصار هذه الضلالات، لأنها عجزت عن صنع الواقع السعيد الذي وعدت الناس به، وعجزهم هذا معناه فشل لجهودهم التربوية، وإنها لفضيحة كبرى تعيشها الأنظمة الفاسدة والدكتاتوريات التي أرادت حرف الناس عن الإسلام هي في وجهها الآخر اختصار لطريق دعاة الإسلام.
إنه الطريق التربوي: صعب.. طويل.. بطئ.. يسبقنا فيه الأرضيون لوقت.. يسقط فيه بعضنا.. وتفوتنا بعض المغانم فيه.
لكنه طريق مأمون، ثابت، مضمون.
وقد يرى البعض أن هذا الطريق البطيء لا يعود الدعاة على التضحية، ويرى أننا نسقطها من حسابنا.
ولكن الأمر ليس كما رأى، فإن التضحيات مطلوبة، ولكن في وقتها، ولا تؤتي مفتعلة، وخير الدعاة من بذر بذورها في نفوس إخوانه منذ الآن.
إنه طريق واحد أصيل لا ثاني له: طريق التربية التدريجي الذي أوجزه الأستاذ المرشد حسن الهضيبي رحمه الله بقوله:
(أقيموا دولة الإسلام في صدوركم: تقم في أرضكم) .
وخطواته: أن تشيع الوعي الإسلامي، وتجمع، وتربي، وتتوسع في اتزان، وتنتشر في تأن، وتنتظر حتى تكتمل الاختصاصات، وترقب ضعف من تسلط زورًا، وترفع يدك إلى الله داعيًا أن يرحم المسلمين، حتى يسقط رداؤك عن منكبيك، فإنه إن سقط: علوت.
أهمية الوعي الحركي في التعجيل
ولكن واقع الحركة الإسلامية يشير إلى إمكانية اختصار هذه الفترة اختصارًا كبيرًا، والتعجيل في الانفتاح المبتغي، بواسطة الإلحاح في نشر الفقه الحركي وترويجه وإيصاله إلى أصحاب الإخلاص الذين يعوزهم هذا الفقه، فإن الدعاة كثير عددهم في كل مكان، أو قل: من سلم زمامه للدعوة والدعاة، ولكن هذا الفقه الحركي هو الذي ينقصهم، ولو علمناهم إتعاب الأنفس وإرهاقها، والصبر على سهل الليالي وحني الظهور لتدارس هذا الفقه، لوعي منهم جيل كثير من أصحاب الاستعداد يسدون الشاغر، ويحلون محل الضعيف.