وباطل ظن من يتوهم عدم وجوب شرط القدوة لمن يشتغل في مراكز الدعة التي ليس فيها توجيه تربوي مباشر، فالبعض يفصل بين المربين الدعاة وغيرهم ممن ينفذون الأعمال التي يتطلبها شمول الدعوة، لكن تحليل الظاهرة التربوية ينفي ذلك، فإنهم جزء مرئي من هذه الدعوة يقلده الجدد والأنصار، ولسان ناطق يسمعه هؤلاء فيتأثرون به. ولذلك لم يفهم السلف فصل وظيفة رجل الدولة الإسلامية عن التعليم والتربية، وكانوا يرون أنه رجل تربية أيضًا.
قال ابن تيمية رحمه الله في شرح معنى (كونوا ربانيين) .
(قال مجاهد: هم الذين يربون الناس بصغار العلم قبل كباره، فهم أهل الأمر والنهي) .
قال: (وذلك هو المنقول عن السلف في الرباني) .
نقل عن علي قال: هم الذين يغذون الناس بالحكمة ويربونهم عليها.
وعن ابن عباس قال: هم الفقهاء المعلمون.
قلت: أهل الأمر والنهي هم الفقهاء والمعلمون.
وقال قتادة وعطاء: واحدهم رباني، وهم العلماء المعلمون).
ثم ختم فقال إنهم: (منسوبون إلى التربية) (1) .
وإذن، فإن جميع من يساهم في أعمال الدعوة إنما هو قدوة يحتمل تأثيرها، ويجب أن يجوز شرط القدوة العملية.
دقة مركز القدوة
ومركز القدوة حساس دقيق جدًا، ويجب أن لا يوضع فيه إلا من كان مستعدًا للأخذ بالعزيمة، والبعد عن الرخص، وإلا من كان يغلب عليه الجد والزهد والتجرد، ويشتاق إلى التعب والبذل، لأنه إمام لمن حوله يقلدونه، ولابد أن يكون فعله أبلغ في التعبير عن عقيدته ومعاني دعوته من قوله، لأن المنظر أعظم تأثيرًا من القول.
ومن هاهنا، لما هم إمام مصر الليث بن سعد بفعل مفضول ينافي العزيمة قال له إمام المدينة يحيي بن سعيد الأنصاري: (لا تفعل، فإنك إمام منظور إليك) (2) .
وقيل:
"من لم تهذبك رؤيته فاعلم أنه غير مهذب".
ومن لم ينعشك عبيره على بعد، فاعلم أنه لا طيب فيه، ولا تتكلف لشمه.
(1) مجموع فتاوى ابن تيمية 1/63.
(2) تهذيب التهذيب 8/463.