والداعية الصادق تستمر هيبته الإيمانية في تعاظم، وتظل في تصاعد ما تصاعدت هيبته لله تعالى، وتعاظمت اهتمامات قلبه بدعوته، حتى يغدو منظره قاطعا لغفلة ناظره.
وقال الشافعي:
"من وعظ أخاه بفعله كان هاديًا".
وكان عبد الواحد بن زياد يقول:
(ما بلغ الحسن البصري إلى ما بلغ إلا لكونه إذا أمر الناس بشيء يكون أسبقهم إليه، وإذا نهاهم عن شيء يكون أبعدهم منه) .
وقال بعضهم:
"للمزيد بلقاء كل صادق مزيد، وفد ينفعه لحظ الرجال كما ينفعه لفظ الرجال، وقد قيل: من لا ينفعك لحظة لا ينفك لفظه."
ثم شرح هذا المعنى اللطيف فقال:
(إن الرجل الصديق يكلم الصادقين بلسان فعله أكثر مما يكلمهم بلسان قوله، فإذا نظر الصادق إلى تصاريفه في مورده، ومصدره، وخلوته، وكلامه وسكوته، وانتفع بالنظر إليه، فهو نفع اللحظ، ومن لا يكون حاله وأفعاله هكذا فلفظه أيضا لا ينفع، لأنه يتكلم بهواه، ونورانية القول على قدر نورانية القلب، ونورانية القلب بحسب الاستقامة والقيام بواجب حق العبودية وحقيقتها) .
وهذا من جيد الكلام.
ومثله من كله التابعين قول شهر بن حوشب:
(إذا حدث الرجل القوم فإن حديثه يقع من قلوبهم موقعه من قلبه) .
وقول مالك بن دينار:
(إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما تزل القطرة عن الصفا) أي قطرة الندى عن الصخرة الملساء.
ويروي أنه قيل لعيسي عليه السلام:
(من أشد الناس فتنة؟
قال: زلة العالم، إذا زل العالم زل بزلته عالم كثير) (1) .
(1) كتاب الزهد لابن المبارك/520.