الصفحة 157 من 168

اختبر عليم اللسان..!

ولو تفحصنا مدى تطبيق هذا العلم المهم لوجدنا ثغرات كبيرة في تاريخ الحركات الإسلامية الحديثة كان يحصل فيها انخداع بالخطباء، وأصحاب الشهادات العالية، والمشاهير، وكانوا يدفعون إلى الصدارة من دون طويل تجريب لهم، وتقع الدعوة في ورطة ربطهم باسمها، ولا يلبث المعدن الضعيف أن يفضح نفسه أثناء ترغيب أو ترهيب أو سياسة حركية تقتضي ف قها لفهمها، فيكون النكوص.

إن الإيمان، وفقه الدعوة، وشدة الانغماس في العمل التجميعي والتربوي، ووضوح الطاعة،هي المحكمات التي يجب أن تتحكم في عملية الانتفاء والتأمير، ولا شروط الوظائف الحكومية، وأعراف المجامع الأدبية.

بل إن على الدعاة أن يجفلوا ويخافوا ويحذروا من يكون عليم اللسان، الذي يكثر التشدق، ويتكلف اختيار الفصيح، فإن النفاق والضعف يكثر في هذا الصنف، ويجب أن لا يطمئن الداعية إلى أحد بهذه الصفة إلا من بعد أن يضمر في نفسه امتحانه، فيراقبه مراقبة دقيقة مدة، ويكون توثيقه له من بعد تجربة، ومن بعد رؤية قرائن إيمان وصدقه.

وللداعية في ذلك سلف، فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما خلف الأحنف بن قيس رضي الله عنه -وكان الأحنف متكلما لبقا داهية: أبقاه عمر معه في المدينة سنة يراقبه، ثم قال له:

( يا أحنف، قد بلوتك وخبرتك فلم أر إلا خيرًا، ورأيت علانيتك حسنة، وأنا أرجو أن تكون سريرتك مثل علانيتك، فإنا كنا نتحدث: إنما يهلك هذه الأمة كل منافق عليم.

وكتب عمر إلى أبو موسى الأشعري: أما بعد: فأدن الأحنف بن قيس، وشاوره، وأسمع منه) (1) .

وكم يحيط بالدعوة في العالم الإسلامي اليوم من رجال يجب على قادة الدعاة امتحانهم، وكم هي حاجة الدعاة إلى مثل علم عمر.

كم من المتكلمين بالإسلام ترى الدعاية ترفعه، فإذا عاملته وجدته مصلحيا جاف القلب والروح.

وحقا قال عبد الوهاب عزام:

إن في الناس أوجهات لامعات

تملأ العين زهرةورواء

ويراها البصير صورة زهر

(1) طبقات ابن سعد 7/94.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت